النازحون في الحديدة من أزيز الرصاص إلى براثن الجوع

في بلدان الحروب، يبدو الموت هو أقرب الطُّرق إليك، حيث تتعدد أسبابه بعد أن تتحول حياتك إلى محظ جحيم لا يمكن احتماله أو مقاومته.

ففي الحديدة، المدينة المغيَّبة والمنسيَّة، غالبًا ما يُحرم المدنيون الذين يجدون أنفسهم في خضم النزاعات المسلحة من أبسط حقوق الإنسان، حيث تُدمر منازلهم أو تُنهب، أو يتعرضون للهجوم أو الاستغلال أو القتل. وعندما يُجبرون على الفرار، يبحثون عن ملاذات آمنة في مجتمعات بعيدة عن خطوط المواجهة أو في مخيمات مؤقتة -مع أو دون الحصول على الغذاء، والماء، والرعاية الطبية، والمأوى.

شهد اليمن موجات نزوح نتيجة الحرب، ووجد النازحون من المحافظات الغربية، حجة وتعز ومحافظة عدن الجنوبية، ملاذًا آمنًا في الحديدة. وحين اندلع القتال داخل محافظة الحديدة نفسها منتصف 2018، لا سيما في مركزها، مدينة الحديدة، ومحيطها، لجأ العديد من السكان الذين فروا من منازلهم إلى أماكن أخرى في المحافظة. لم يقتصر النزوح عليهم فقط إد في بعض الأحيان نزح سكان آخرون في المحافظة من مناطقهم بسبب الأمطار الغزيرة والفيضانات. أوائل عام 2021، بلغ العدد الإجمالي للنازحين الذين يحتاجون إلى المعونة الإنسانية في الحديدة 425,059، مع اعتبار أن 40٪ منهم يواجهون ظروفًا “كارثية”.

معاناة كبيرة وغير متناهية، يعيشها نازحو محافظة الحديدة، تحت خيام نخرة لا تقيهم حرارة الصيف ولا برد الشتاء. يشتهون قطرة الماء ويتمنون القحط والجفاف؛ فالأمطار هنا تحيل المكان مستنقع الأمراض والأوبئة، فضلا عن أن خيامهم غير مهيئة لحماية أثاثهم وحاجيتهم، فيصبح المكان كأن لم يكن.

أطفالهم يتضورون جوعا ويترنحون من شدة الفقر المدقع، وإن وجد أحدهم ما يسد به جوع أبناءه تحول الرياح بينهم وبين ما يشتهون، إذ لا نار توقد هنا إلا إذا سكن غضب الرياح وهدأت عواصفه.

أما الأمراض والأوبئة، فما نسيه العالم منها منذ عقود لازال هنا، بل وأشد فتكا على أروحهم، الملاريا وحمى الضنك، وغيرها الكثير والكثير من الأمراض تحصد أرواح النازحين، في ظل رعاية طبية غائبة ومفقودة الأثر، ومنظمات إغاثية تناستهم من كل شيء.

كارثة إنسانية تدمى لها جباه الإنسانية، يغتالها الجوع والفقر، ويتفنن المرض في قتل ما بقي منها نَفَسًا نَفَسًا، وروحًا تلو أخرى، وتوارت كل ملامح الإنسانية خلف أقنعة زائفة، وضاعت منا روح إنسانيتنا، وأصبحت كسراب ماء يلوح في أفق الظمأ.