علي ناصر محمد.. صوت الحكمة في زمن الضجيج
سعيد الحريري
في زمنٍ طغت فيه أصوات السلاح على أصوات العقل، وتقدمت فيه مشاريع الصراع على مشاريع الدولة، يظل الرئيس...
في زمنٍ طغت فيه أصوات السلاح على أصوات العقل، وتقدمت فيه مشاريع الصراع على مشاريع الدولة، يظل الرئيس الأسبق علي ناصر محمد واحداً من أبرز الشخصيات اليمنية التي حافظت على خطابها الوطني المتزن، وظلت تدعو إلى الحوار والتوافق باعتبارهما الطريق الأقصر لإنقاذ اليمن من أزماته المتراكمة.
وقد جاءت الحلقة الخاصة التي استضافه فيها الإعلامي والشاعر الدكتور علي المسعودي ضمن بودكاست «أبواب» لتسلط الضوء على تجربة سياسية ثرية امتدت لعقود، وتكشف جانباً من رؤية رجل دولة ما زال ينظر إلى اليمن بعين الوطن لا بعين الحزب أو الجماعة أو المنطقة.
لم يكن حديث الرئيس علي ناصر محمد استدعاءً للماضي بقدر ما كان قراءة هادئة للحاضر واستشرافاً للمستقبل. فقد أكد، كما اعتاد دائماً، أن الحروب لم تنتج سوى المزيد من الدمار والانقسام، وأن اليمن لن يخرج من أزمته إلا عبر حوار يمني شامل يشارك فيه الجميع دون إقصاء أو استثناء.
ما يميز الرئيس علي ناصر محمد أنه ظل ثابتاً على موقفه الداعي إلى السلام رغم تغير الظروف وتعاقب الأحداث. ففي الوقت الذي انخرط فيه كثيرون في معارك التخوين والتحريض، اختار هو أن يكون جسراً للتواصل بين الفرقاء، مؤمناً بأن الأوطان لا تُبنى بالثأر السياسي ولا بمنطق الغالب والمغلوب، وإنما بالشراكة الوطنية والاعتراف المتبادل.
واليوم، وبعد أكثر من عقد من الحرب والمعاناة، تبدو الرسائل التي يطرحها الرئيس علي ناصر محمد أكثر أهمية من أي وقت مضى. فاليمنيون اكتشفوا أن المشاريع الخارجية لا يمكن أن تكون بديلاً عن المشروع الوطني، وأن استعادة الدولة لن تتحقق إلا بإرادة يمنية خالصة تضع مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات الأخرى.
لقد قدمت هذه الحلقة نموذجاً لحوار سياسي راقٍ يحتاجه اليمنيون في هذه المرحلة، بعيداً عن لغة الكراهية والانقسام. كما أعادت التذكير بأن بلادنا ما زالت تمتلك شخصيات وطنية قادرة على الإسهام في صناعة السلام وتقريب وجهات النظر إذا ما توفرت الإرادة الصادقة لدى جميع الأطراف.
إن اليمن اليوم بحاجة إلى صوت الحكمة أكثر من حاجته إلى أصوات المدافع، وبحاجة إلى رجال دولة يؤمنون بالمستقبل أكثر من إيمانهم بصراعات الماضي. ومن هنا تبرز أهمية ما يطرحه الرئيس علي ناصر محمد من رؤى ومبادرات تدعو إلى السلام والمصالحة والتوافق الوطني، باعتبارها المدخل الحقيقي لإنقاذ اليمن واستعادة مكانته بين الأمم.
رحم الله من أدرك أن الوطن أكبر من الجميع، وحفظ الله اليمن وأهله من كل سوء .