كأس العالم 2026 بين غياب العدالة وظلم مصر

ليست كل البطولات تقاس بمن حمل الكأس فهناك بطولات تكشف من يعمل للمستقبل ومن يملك مشروعا حقيقيا ومن يكتفي بالحضور ثم يغادر بصمت وهذه النسخة من كأس العالم كانت مختلفة بالنسبة لكرة القدم العربية لأنها أكدت أن المنتخبات العربية لم تعد تدخل المنافسة لمجرد المشاركة بل أصبحت قادرة على فرض شخصيتها ومقارعة أكبر مدارس كرة القدم في العالم

ما قدمته المنتخبات العربية منح الجماهير شعورا بالفخر لأن الجميع شاهد منتخبات تلعب بثقة وشجاعة ولم تعد تخشى الأسماء الكبيرة وهذا التطور لم يأت من فراغ بل جاء نتيجة سنوات من العمل والاستثمار في اللاعبين والأجهزة الفنية والبنية الرياضية ورغم اختلاف النتائج فإن الرسالة كانت واحدة وهي أن الكرة العربية أصبحت أقرب من أي وقت مضى إلى منافسة الكبار

المغرب أكد مرة أخرى أنه لا يعيش على إنجاز عابر بل يسير وفق مشروع متكامل يعرف ماذا يريد ومن يتابع الكرة المغربية خلال السنوات الماضية يدرك أن الوصول إلى الأدوار المتقدمة لم يعد مفاجأة بل أصبح نتيجة طبيعية لعمل طويل بدأ من الفئات السنية ووصل إلى المنتخب الأول وحتى أمام فرنسا خرج المغرب مرفوع الرأس لأنه لعب بشخصية منتخب يعرف قيمة نفسه ولم يمنح منافسه أي مباراة سهلة وهذا النجاح لا يخص المغرب وحده بل يمنح بقية المنتخبات العربية نموذجا يستحق الدراسة والاستفادة

أما بقية المنتخبات العربية فقد خرج كل منها بدروس مهمة بعضها يحتاج إلى مزيد من الاستقرار الفني وبعضها يحتاج إلى تطوير الجانب البدني وبعضها يحتاج إلى خبرة أكبر في التعامل مع المباريات الكبيرة لأن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق في كأس العالم

لكن إذا كان هناك منتخب استحق أن يتحدث عنه الجميع فهو منتخب مصر

هذا المنتخب أعاد إلى الجماهير الإحساس بالهوية المصرية التي افتقدناها سنوات طويلة منتخب يقاتل على كل كرة ولا يستسلم ولا يدخل أي مباراة وهو يشعر أنه أقل من منافسه بل يفرض شخصيته ويحاول الفوز حتى اللحظة الأخيرة وقد نجح حسام حسن في إعادة الروح إلى اللاعبين وغرس عقلية التحدي داخل المجموعة وهو أمر كان واضحا لكل من تابع مباريات المنتخب

منتخب مصر لم يصل إلى هذا المستوى بالحظ بل بالعمل والانضباط والروح الجماعية وقدم مباريات كبيرة أمام منتخبات تملك خبرة عالمية وكان قادرا على الوصول إلى مراحل أبعد لو سارت الأمور بعدالة كاملة داخل أرض الملعب

ومن وجهة نظري فإن المنتخب المصري تعرض لظلم تحكيمي مؤثر أمام الأرجنتين وكان لهذا الظلم أثر مباشر في تغيير مجريات المباراة وفي حرمان المنتخب من فرصة عادلة لمواصلة مشواره وهذا ليس انتقاصا من المنتخب الأرجنتيني ولا من قيمة لاعبيه وإنما دفاع عن مبدأ بسيط وهو أن البطولات الكبرى يجب أن تحسمها أقدام اللاعبين لا القرارات التي تبقى محل جدل حتى بعد إطلاق صافرة النهاية

قد يختلف البعض مع هذا الرأي لكنني أرى أن منتخب مصر لم يحصل على الإنصاف الذي استحقه وأن الأداء الذي قدمه طوال البطولة كان كافيا ليمنحه فرصة الاستمرار وأن الجدل الذي رافق تلك المباراة لم يكن وليد مشاعر الجماهير المصرية وحدها بل امتد إلى كثير من المتابعين الذين رأوا أن بعض القرارات كان لها تأثير واضح في النتيجة النهائية

ورغم ذلك فإن الإنصاف يفرض علينا أيضا أن ننظر إلى أنفسنا لأن البطولات الكبرى لا تربح بالعاطفة وحدها وقد كشف المنتخب عن نقطة تحتاج إلى علاج سريع وهي إدارة الدقائق الأخيرة من المباريات ففي أكثر من مواجهة تراجع التركيز وانخفض النسق البدني وبدأت المساحات تظهر بين الخطوط وأصبح الفريق يتراجع أكثر من اللازم بدلا من الاحتفاظ بالكرة وفرض إيقاعه على المنافس وهذه تفاصيل قد تبدو بسيطة لكنها في كأس العالم تصنع الفارق بين التأهل والخروج

الجهاز الفني مطالب بالعمل أكثر على هذه الجزئية لأن المنتخب أصبح يملك شخصية واضحة ويملك عناصر قادرة على المنافسة لكنه يحتاج إلى التعامل مع الدقائق الأخيرة بعقلية المنتخبات الكبيرة التي تعرف كيف تقتل المباراة وتحافظ على تفوقها تحت الضغط

ما خرجت به من هذه البطولة أن الكرة العربية تسير في الطريق الصحيح وأن المغرب يواصل تثبيت مكانته بين كبار العالم وأن مصر استعادت شخصيتها وهيبتها وأن المستقبل قد يكون أفضل إذا استمر العمل بنفس الجدية وتمت معالجة الأخطاء التي كشفتها البطولة

قد ينسى الناس نتائج بعض المباريات لكنهم لا ينسون المنتخبات التي لعبت بشرف وتركت أثرا في قلوب جماهيرها وهذا ما فعله منتخب مصر لأنه أعاد الثقة إلى جماهيره وأثبت أن العودة إلى منصات الإنجاز ليست حلما بعيد المنال بل هدفا يمكن الوصول إليه إذا استمر المشروع الحالي وتوفرت العدالة داخل الملعب قبل أي شيء آخر.

مقالات الكاتب