يا حكومة.. التحول الرقمي يبدأ من بناء المؤسسات
فتاح المحرمي
في ظل واقع تتسيده سلطات حكومية هشة، ومؤسسات وأجهزة وهيئات تعاني من ضعف كبير، وخدمات أساسية متردية، ن...
ما زلت أرى كثيراً من الأصدقاء يشتكون من المعدة والقولون. وكلما أخبرني أحدهم بما يعانيه، وجدت نفسي أكرر النصيحة نفسها: لا تكتفِ بالبحث في معدتك، بل ابحث أيضاً في حالتك النفسية.
الجميع يستغربون كلامي، تماماً كما كنت سأستغربه لو سمعته قبل سنوات. فالمعدة تؤلم، والقولون يتشنج، والحموضة تحرق الصدر، فكيف يكون السبب في النفس؟
سيخبرك الجميع بقائمة طويلة من الممنوعات: "لا تأكل المقلي، تجنب البقوليات، اقطع الحليب، ابعد عن الفلفل". هذه نصائح غير عملية، وهي مجرد مسكنات مؤقتة. إذا لم تعالج أصل المشكلة (نفسيتك)، فستظل سجيناً لنظام غذائي لا ينتهي. صدقني، عندما تستقر حالتك النفسية، ستأكل كل شيء بشكل طبيعي.
لهذا قررت أن أكتب تجربتي كاملة. ليس لأنني طبيب، بل لأنني قضيت أربع سنوات أبحث عن مرض في معدتي، ثم اكتشفت أنني كنت أبحث في المكان الخطأ.
بدأت القصة بحموضة مزعجة، ثم انتفاخات و تقلصات و آلام في المعدة. و بعدها امتد الألم إلى الصدر والظهر والحنجرة والرأس. و مع كل عرض جديد كنت أزداد يقيناً أن في جسدي مرضاً خطيراً لم يكتشفه أحد.
خلال أربع سنوات زرت أكثر من عشرين مستشفى ومستوصفاً، وأجريت عدداً كبيراً من التحاليل، والأشعة، وتخطيط القلب، و الإيكو، و منظار المعدة، حتى إن أحد الأطباء رفض إجراء تصوير مقطعي لأنه لم يجد أي مبرر طبي له.
وكانت النتيجة في كل مرة واحدة: أنت سليم.
كنت أخرج من العيادة وكأن جبلاً انزاح عن صدري. أتنفس براحة، وأنام بهدوء، وأشعر أن حياتي عادت إلى طبيعتها.
لكن ذلك الاطمئنان لم يكن يعيش أكثر من أيام، وربما أسبوعاً.
ثم يبدأ عقلي بالهمس: ماذا لو أخطأ الطبيب؟ ماذا لو لم ينتبه إلى شيء مهم؟ ماذا لو كان جهاز الأشعة مخطئاً؟ وماذا لو كان المرض لا يزال في بدايته ولم يظهر بعد في الفحوصات؟
خلال دقائق يتحول الإحتمال إلى يقين، ويعود الخوف أقوى مما كان، فأبدأ رحلة جديدة: طبيب آخر، ومستشفى آخر، وفحوصات جديدة، وانتظار جديد.
المشكلة أنني لم أكن أبحث عن تشخيص، بل كنت أبحث عن يقين مطلق، واليَقين المطلق لا وجود له في هذه الحياة .
عشت أربع سنوات منهكاً نفسياً وجسدياً. لم يكن الألم في المعدة وحدها، بل في طريقة تفكيري أيضاً.
وصل بي الأمر إلى أن أترك باب غرفتي مفتوحاً كل ليلة. كنت أخشى أن أموت وأنا نائم، وأخاف أن تبقى جثتي خلف باب مغلق حتى تتعفن قبل أن ينتبه إليها أحد.
أما الهاتف... فقد كان رنينه يرعبني.
كل اتصال من المنزل كان يعني في مخيلتي خبراً أسود. كنت أسبق المتصل بمئات الكوارث، وأتخيل أن أحد أطفالي قد مات، قبل أن أضغط زر الإجابة.
في أحد الأيام، كنت أقف أمام عيادة طبيبة باطنية، أحمل ملفاً ثقيلاً من الفحوصات، لكن الحمل الحقيقي كان في صدري.
نظرت إلى الملف، ثم تخيلت نفسي قبراً صامتاً، وعظاماً تحت التراب، وتخيلت أطفالي يقفون وحدهم في هذه الدنيا بلا أب.
لم أستطع أن أقاوم.
دخلت العيادة، وانفجرت باكياً أمام الطبيبة كطفل فقد كل ما يملك.
لم أكن أبكي من الألم... بل من الخوف.
كنت تعيساً لدرجة أن فكرة الموت كانت تراودني، و لولا خوفي من شماتة البعض، لأقدمت على التخلص من حياتي.
عشتُ وحيداً في معاناتي؛ فالناس بين ساخر، ومكذب، ومتهم لي بالمبالغة، حتى تعلمتُ أن الصمت هو الخيار الوحيد.
يتخلى عنك أهلك، يرونك عبئاً عليهم ، يرون إنساناً لا تنتهي شكواه، في نظرهم، أنت إما واهم، أو تبحث عن الإهتمام.
لن يبقى معك أحد غير أمك، هي الوحيدة التي ستبكي من أجلك كما لو كنتَ طفلاً، و ربما تنظر إليك ابنتك الصغيرة بخوف، لأنها ترى لأول مرة أن الرجل الذي كانت تظنه أقوى من الدنيا، أصبح هشاً و ضعيفاً، و أن والدها، الذي كان يمنحها الأمان، صار يبحث هو نفسه عمن يطمئنه.
صرت أحمل معي حقيبة صغيرة مليئة بالأدوية أينما ذهبت، كنت أخجل منها كلما رآها أحد وسألني مستغربًا: لماذا كل هذه الأدوية؟ ولم أكن أملك جوابًا سوى أنني كنت أبحث في كل حبة دواء عن طمأنينة لم أجدها.
وصلت إلى مرحلة أصبح فيها الخوف أقوى من العقل.
وكما يقول المثل: الغريق يتعلق بقشة. لم أترك وسيلة قيل لي إنها تشفي إلا وجربتها. كلما سمعت عن راقٍ، أو طبيب أعشاب، أو رجل يصفه الناس بأنه "سيد مبارك"، ذهبت إليه وأنا أعلق عليه أملاً جديداً، لعل شفائي يكون على يديه.
أخذني أحد أصدقائي إلى رجل كان الناس يرددون أن مجرد نفثه على المريض سبب في شفائه بإذن الله. طلب مني أن أنزع قميصي، ثم أخذ يرش الماء على صدري و رأسي و رقبتي، و ينفث و يتفل و هو يقرأ الأدعية.
ذهبت إلى طبيبة أعشاب ذاع صيتها في المنطقة، فكتبت لي وصفات التزمت بها أشهراً طويلة، كما زرت كل من سمعت عنه قصة شفاء عجيبة أو كرامة يتداولها الناس.
لم أكن أبحث عن دليل أو برهان، بل كنت أبحث عن بصيص أمل. فالإنسان عندما يسيطر عليه الخوف، يصبح مستعداً لتجربة أي شيء، مهما بدا غير منطقي، ما دام يعده بالخلاص.
لأكتشفت في النهاية أنني كنت أطارد السراب، فلم يكن ينقصني راقٍ آخر، و لا عشبة جديدة، ولا شخص يقال إنه يملك كرامات، ما كنت أحتاجه حقاً هو أن أعالج أصل المشكلة، لا أن أتنقل بين الأوهام.
بعد سنوات من الدوران بين الأطباء و الرقاة و المشعوذين، ذهبت أخيراً إلى طبيب نفسي.
و خلال شهرين فقط، تحسنت حالتي بشكل مذهل. في الشهر الثالث، تخلصت من جميع الأدوية، واستعدت ثقتي بنفسي. والمفارقة المذهلة أن أعراض المعدة والقولون اختفت تماماً بمجرد أن تعافيت نفسياً.
اليوم، بعد ثلاث سنوات من التعافي، آكل كل ما يحلو لي دون قيود. إذا شعرت بحموضة طفيفة، أتعامل معها ببساطة، و لا ألتفت للانتفاخات العارضة.
إلى كل من يقرأني، إذا كنت تعاني من اضطرابات مستمرة في الجهاز الهضمي، توجه مباشرة إلى طبيب نفسي. لا تضيع وقتك في مسكنات المعدة، فجهازك الهضمي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بجهازك العصبي؛ فالقولون هو الدماغ الثاني كما يسميه الأطباء.
الدماغ والجهاز الهضمي مرتبطان بما يعرف بمحور الدماغ والأمعاء، وهو شبكة من الأعصاب والهرمونات والإشارات الحيوية تجعل التوتر والقلق قادرين على التأثير في حركة الأمعاء، وإفراز الأحماض.
لذلك عندما يعيش الإنسان تحت ضغط نفسي مستمر، تتغير حركة الأمعاء، ويزداد إفراز أحماض المعدة، وترتفع حساسية الأعصاب، فيشعر بآلام حقيقية، رغم أن الفحوصات قد تكون طبيعية تماماً.
هذه ليست نصيحة طبية، وإنما تجربة إنسان أضاع أربع سنوات وهو يطارد مرضاً في معدته، ثم اكتشف أخيراً أن الطريق إلى الشفاء بدأ عندما توقف عن مطاردة اليقين.
عش حياتك... وليكن ما يكون.