مشهد تطاير الصحف… عدل السماء حين يُكشف الحساب

من أعظم مشاهد يوم القيامة رهبةً وتأثيراً في النفس مشهدُ تطاير الصحف؛ ذلك المشهد الذي تتجلى فيه الحقيقة عاريةً من كل ستار، ويقف الإنسان وجهاً لوجه أمام عمله، لا أمام أقواله ولا ادعاءاته. إنه المشهد الذي لا سلطان فيه إلا للحقيقة، ولا صوت فيه إلا لصوت العمل.

أولاً: لحظة انكشاف المصير

عند الحساب، تتطاير الصحف من عند اللَّه تَعَالَى، كل صحيفةٍ تبحث عن صاحبها، فلا تضل طريقها، ولا تخطئ وجهتها. وكأن بينها وبينه موعداً لا يُخلف. لا تختلط الصحف، ولا تضل طريقها، ولا تُبدَّل الأسماء، لأن الذي أحصى هو العليم، والذي كتب هو الرقيب. إنها عدالة مطلقة، ونظام إلهي دقيق، لا مجال فيه للخطأ ولا للمحاباة.

قَالَ تَعَالَى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا).[الكهف: 49]. إنها لحظة سقوط الأقنعة، وسكون كل المرافعات، وانتهاء كل محاولات التبرير؛ حيث يتجسد العمل مكتوباً، مثبتاً، محفوظاً، لا يسقط منه حرف، ولا تغيب عنه نية.
                             
ثانياً: رهبة الانتظار… بين اليمين والشمال

حشود البشر في أرض المحشر تترقب السماء بقلوب خافقة، أعينهم شاخصة إلى الصحف المتطايرة.

يقف الناس في ذلك الموقف العظيم صفوفًا في رهبةٍ شديدة، تتسارع أنفاسهم، وتضطرب قلوبهم، وأعينهم تترقب، لا يسألون عن مالٍ ولا جاه، وأعينهم تترقب: هل ستقع الصحيفة في اليمين أم في الشمال؟  

- اليمين عنوان النجاة والبشرى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ).[الحاقة: 19].  

- والشمال عنوان الخيبة والحسرة: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ).[الحاقة: 25].  

قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ).[التكوير: 10].

في تفسير ابن كثير للقرآن الكريم تفسير صورة التكوير قَالَ الضحاك أعطي كل إنسان صحيفته بيمينه أو بشماله وقال قتادة يا ابن آدم تملي فيها ثم تطوى ثم تنشر عليك يوم القيامة فلينظر رجل ماذا يملي في صحيفته.

إنها لحظة تختزل حياةً كاملة في ورقةٍ واحدة، فرحٌ خالص أو حسرةٌ لا تُجبر.

ثالثاً: تجلّي العدل الإلهي

هذا المشهد يُبرز عدل اللَّه تعالى أسمى إبراز؛ فلا يُظلم أحد، ولا تُزاد حسنة لم تُعمل، ولا تُنقص سيئة لم تُرتكب.  

قَالَ تَعَالَى: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا). [الكهف: 49].  

العدالة البشرية مهما بلغت دقتها يحتمل الخطأ، قد يشوبها القصور في الإثبات أو الفهم أو التقدير، أما هنا 
المصدر هو علمٌ لا يحدّه زمان ولا مكان، بل عدلٌ إلهي مطلق قائم على العلم المحيط، والإحصاء الدقيق، والحكمة التامة.

رابعاً: الدلالة التربوية والقانونية

من زاوية تربوية:

استحضار هذا المشهد يغرس في النفس الرقابة الذاتية:

· كل كلمة محسوبة
· كل نظرة مكتوبة
· كل فعل مسجل
· كل نية معلومة

صحيفة الأعمال تُكتب الآن، فكل كلمة وكل نظرة وكل خطوة مسجلة.

من زاوية قانونية:

مبدأ "لا يُظلم أحد" يمثل أسمى قواعد العدالة، وهو ما تسعى الأنظمة القضائية لتحقيقه من خلال الضمانات والإجراءات، وإنْ بقيت العدالة البشرية نسبية، بخلاف العدالة الإلهية المطلقة.

إنَّ مشهد تطاير الصحف يؤسس لمبدأ عظيم هو المسؤولية الفردية المطلقة:

· لا يُحمل إنسان وزر غيره.
· لا يُعفى أحد بحجة النفوذ أو القرابة.
· كل امرئ بما كسب رهين.

وهذا المبدأ هو جوهر العدالة التي تسعى القوانين الوضعية إلى تكريسها، لكنه في الآخرة يتحقق بصورة كاملة، لا نقص فيها ولا تأويل.

خامساً: قصة البطاقة… بصيص أمل لا يخبو

بطاقة "لا إله إلا اللَّه" تعلو فوق تسعة وتسعين سجلاً من السيئات!!

وفي وسط هذا المشهد المهيب، تبقى رحمة اللَّه واسعة. قصة الرجل الذي أتي بتسعة وتسعين سجلاً من السيئات، كل سجل مد البصر، ثم خرجت بطاقة صغيرة فيها "لا إله إلا اللَّه"، فرجحت بها السيئات.

عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ).[رواه الترمذي].

يا اللَّه! اسمك وحده يثقل موازين السماء والأرض!

لكن تذكر: هذا الرجل كان صادقاً في قولها، عاملاً بمقتضاها. ليست كلمة باللسان فقط، بل إيمان بالقلب وعمل بالجوارح.

خاتمة بلاغية

حين تتطاير الصحف، لا يبقى للجاه معنى، ولا للسلطان أثر، ولا للكلمات المزخرفة وزن، يبقى العمل… مجرداً، صادقاً، شاهداً على صاحبه.  

فهنيئاً لمن عمل لليوم الذي تتطاير فيه الصحف، وأعدَّ لنفسه جواباً قبل أَنْ يُسأل، وكتاباً يُسلَّم بيمينٍ مشرقة، لا بشمالٍ دامعة.  

يا ليتني لم أوت كتابيه… حسرة لا تُجبر

إنه مشهد ليس للتخويف فحسب، بل للتقويم والإصلاح، لأن العدالة الإلهية ليست انتقاماً، بل إظهاراً للحقيقة كاملة.

وقفة مع النفس

اليوم… أنت تكتب صحيفتك📝

· بكل نظرة
· بكل كلمة
· بكل خطوة
· بكل فكرة
· بكل همسة

فاختر ما تريد أَنْ تراه غداً عندما تتطاير الصحف!

اللَّهُمَّ إنا نسألك كتاباً في اليمين، وحساباً يسيراً، ودرجات عُلى في الجنان. 

وصَلَّى اللَّهُ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وَسَلَّمَ.

· #يوم_القيامة
· #تطاير_الصحف
· #العدالة_الإلهية
· #صحف_الأعمال
·#القاضي_أنيس_صالح_جمعان
· #مشاهد_يوم_القيامة

15 فبراير 2026

مقالات الكاتب