الضوابط الشرعية لحالات «الواتساب»كيف نجعلها وسيلةً لنشر الخير وكسب الأجر؟
هل فكرت يوماً أَنَّ (حالتك) على الواتساب قد تكون سبباً في دخولك الجنة أو حجاباً لك عن النار؟وسائل ال...
تتكرر في كل عام ظاهرة لافتة في مجتمعاتنا؛ حيث يترك كثير من الناس المعاصي في شهر رمضان، ثم ما يلبثون أَنْ يعودوا إليها بعد انقضائه، وكأن التوبة مرتبطة بزمن محدد لا تتجاوزه. هذه الظاهرة لا تعبّر فقط عن ضعفٍ في الإرادة، بقدر ما تكشف عن خللٍ في فهم حقيقة التوبة والعبادة، فالله عز وجل لا يُعبد في شهر دون شهر. يقول اللَّه تَعَالَى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).[النور: 31]. فالخطاب بالتوبة لجميع المؤمنين وفي كل وقت، وليس في شهر دون شهر.
إنّ رمضان في جوهره ليس شهراً إستثنائياً تُعلَّق فيه الذنوب مؤقتاً، بل هو مدرسة تربوية مكثفة، تُعيد ترتيب علاقة الإنسان بربه، وتُدرّبه على الاستقامة الدائمة لا المؤقتة.
المشكلة الجوهرية: التوبة المؤقتة
بعض الناس ينظرون لرمضان كـ"إجازة من المعاصي" بدلاً من كونه فرصة للانطلاق إلى حياة جديدة من الطاعة. وقد حذر النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هذا السلوك فقال: (التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا لَمْ يَضُرُّهُ ذَنْبٌ).[رواه ابن ماجه وصححه الألباني]. كما قال ابن تيمية: "من يعزم على ترك المعاصي في شهر رمضان دون غيره فليس هذا بتائب مطلقاً".
وإذا أردنا تحليل هذه الظاهرة بعمق، فلا بد من التمييز بين صورتين شائعتين للتوبة الناقصة:
التوبة الموسمية وهي التي ترتبط بمواسم الخير وأزمنة الفضل، كرمضان والعشر الأواخر وأيام الحج، حيث يقلع المرء عن الذنوب احترامًا لقدسية الزمان.
التوبة المؤقتة وهي التي تنتج عن ظرف طارئ أو سبب خارجي، كالمرض أو الشدة أو الخوف من افتضاح الأمر، فيتوقف عن المعصية ريثما يزول هذا السبب.
والقاسم المشترك بينهما أن كلتاهما تفتقران إلى شرط العزم على عدم العودة، الذي هو لب التوبة النصوح وجوهرها. فكلتاهما تتوقفان بانتهاء المؤثر الخارجي سواء كان زماناً مقدساً أو ظرفاً طارئاً دون أَنْ تتحول إلى قرار داخلي ثابت.
لماذا توبة رمضان فقط غير مقبولة؟
لا يمكن إنكار أَنَّ لشهر رمضان خصوصية روحية فريدة؛ ففيه تتغير الأجواء العامة، وتعلو لغة الإيمان، وتضعف دوافع الشر، فيشعر الإنسان بخفة داخلية تُعينه على ترك ما اعتاده من معاصٍ. كما أَنَّ للمجتمع دوراً مؤثراً، إذ تتحول القيم الدينية في رمضان إلى سلوك جمعي ضاغط، يجعل المجاهرة بالخطاً أمرا مستهجناً.
إنّ ظاهرة الالتزام المؤقت لها أسباب متعددة، منها ما هو نفسي واجتماعي:
1. الأجواء الإيمانية: في رمضان تُصفد الشياطين وتكثر الطاعات، مما يُسهّل على النفس ترك الهوى.
2. الضغط الاجتماعي: حين يتحول الالتزام إلى سلوك جمعي، يجد المرء بيئة داعمة للتقوى.
3. ضعف الوازع الدائم: يكمن الخطر حين يكون الدافع الخارجي (احترام قدسية الشهر) أقوى من الدافع الداخلي (التقوى المستمرة)، فتصبح الطاعة حالة ظرفية تزول بزوال أسبابها.
التوبة الحقيقية والخلل في المفهوم
التوبة في الإسلام ليست امتناعاً مؤقتاً، بل تحوّل عميق وانتقال من منطق الاعتياد إلى منطق الوعي. إن التوبة الحقيقية تشمل:
1. الندم على الذنب.
2. الإقلاع عنه فوراً.
3. العزم على عدم العودة إليه.
4. رد الحقوق إلى أهلها.
فمن تاب في رمضان وهو ينوي العودة للمعصية بعده، فقد نقض شرط العزم على عدم العودة. ويشبهه قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا).[النحل: 92].
التوبة في ميزان القرآن الكريم
الخطاب القرآني في باب التوبة جاء مطلقاً، غير مرتبط بزمان ولا مكان، آمراً بالتوبة في كل وقت، قَالَ تَعَالَى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).[النور: 31]. فالتوبة هنا مسار دائم، لا موسماً عابراً.
كما أَنَّ القرآن يحذّر من نقض الالتزام بعد إحكامه، ويشبّه ذلك بسلوك عبثي يهدم ما بُني بجهد، في إشارة عميقة إلى خطورة التراجع بعد الاستقامة، ليس فقط دينياً، بل نفسياً وسلوكياً.
ومن الآيات التي تعالج قضية التوبة الموسمية:
1. تحذير من الانقطاع عن العبادة بعد رمضان :
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).[المنافقون: 9].إلهاء الدنيا بعد رمضان عن الطاعة هو خسارة حقيقية.
2. ضرورة الاستمرار في الطاعة :
قَالَ تَعَالَى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).[الحجر: 99]. فالأمر بالعبادة مستمر حتى الموت، وليس لفترة محددة.
الاستمرارية بعد رمضان في السنة النبوية
في السنة النبوية يتجلّى بوضوح أن معيار الصدق في الطاعة هو دوامها، لا شدّتها المؤقتة. فالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يربط العبادة بزمن، بل علّم أصحابه أَنَّ القليل الدائم خير من الكثير المنقطع، وأَنَّ ما بعد رمضان لا يقل أهمية عمّا فيه.
ومن هنا جاءت تشريعات ما بعد رمضان، كصيام ستة أيام من شوال، قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ).[رواه مسلم]. لتؤكد أَنَّ المقصود من رمضان ليس الانقطاع عن الذنب شهراً، بل اكتساب القدرة على تركه عاماً كاملاً.
كما حرص النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على تعليم الصحابة الاستمرار في الطاعة بعد رمضان، وذلك بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، فهي عماد الدين.
وهناك أحاديث نبوية تحذر من الانتكاسة بعد رمضان إلى أسوأ مما كان عليه: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَثَلُ الَّذِي يَعْمَلُ الْخَيْرَ ثُمَّ يَعُودُ فِي شَرٍّ كَمَثَلِ الَّذِي يَسْتَقِي فِي سِقَائِهِ ثُمَّ يَخْرِقُهُ).[رواه الطبراني في الكبير].
كيف نجعل توبة رمضان دائمة؟
1. استشعار مراقبة اللَّه في كل وقت: اللَّه يحب التوابين كما قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ).[البقرة: 222].
2. التوبة اليومية: كما كان النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستغفر اللَّه ويتوب إليه في اليوم مائة مرة.
3. تغيير البيئة: تجنب الأماكن والأصدقاء الذين يذكرونك بالمعصية.
4. الدعاء المستمر: طلب العون من اللَّه للثبات على الطاعة.
5. الرفقة الصالحة: مصاحبة من يذكرك بالله إذا نسيت.
6. المداومة على القليل: من الطاعات بعد رمضان كصيام الاثنين والخميس، وقراءة ورد يومي من القرآن الكريم.
7. محاسبة النفس: مراجعة الأعمال قبل النوم والاستغفار من التقصير.
نحو وعي ديني جديد بالتوبة
إنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في حسن الأداء في رمضان، بل في القدرة على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقامة بعده. وهذا لا يتحقق إلا من خلال:
1. ترسيخ معنى مراقبة اللَّهِ بعيداً عن ضغط المجتمع
2. بناء وعي أخلاقي ذاتي لا يعتمد على المواسم
3. إدراك أَنَّ العودة المتكررة للذنب تُضعف الإرادة وتشوّه مفهوم الرحمة
4. فهم أَنَّ التوبة ليست حدثاً، بل عملية مستمرة من المراجعة والتصحيح
خلاصة تنويرية
رمضان ليس نهاية المطاف، بل هو محطة للتزود. التوبة الصادقة لا تعرف موسماً، واللَّه يُعبد في كل وقت.
رمضان لا يصنع المتقين وحده، لكنه يكشفهم. ومن لم تتغير بوصلته بعد رمضان، فعليه أَنْ يراجع فهمه لرمضان لا لذاته. فالله لا يُعبد في شهر دون شهر، ربُّ رمضان هو ربُّ الشهور.
ولا تُترك المعاصي احتراماً للزمن، بل حياءً من اللَّه، ووعياً بالمسؤولية، وإدراكاً لقيمة الإنسان وهو يختار طريقه بملء إرادته.
التوبة الحقيقية ليست أَنْ نكون صالحين في رمضان، بل أَنْ نخرج منه ونحن أقدر على الصلاح بعده.
خاتمة: دعاء
اللَّهُمَّ يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم اجعلنا من التوابين حقاً، الذين يستمرون في طاعتك بعد رمضان وفي كل حين، وارزقنا استقامةً لا يعقبها ندم.
اللَّهُمَّ اجعلنا من التوابين حقاً، الذين يستمرون في طاعتك بعد رمضان وفي كل حين.
قاضي أنيس صالح جمعان
/