تهامة بين المهاجرين والأنصار
في تهامة، لا شيء يجري كما ينبغي، ولا أحد يبدو في موقعه الطبيعي، فالأرض التي أنجبت الأنصار الحقيقيين،...
رغم موقفي الواضح تجاه النظام في إيران، وكل ما قلته وكتبته وتمنّيته حول زوال هذا النظام، إيمانًا مني بأنه أحد أهم أسباب الخراب في المنطقة عمومًا، وفي بلدي الحبيب على وجه الخصوص، فإن الأمانة والموضوعية بعيدًا عن الرغبات والخصومات الشخصية تجعلني اليوم لا أقف سعيدًا بما يحدث له، رغم أنها اللحظات التي انتظرتها طويلًا، ودعوت الله زمنًا أن أعيشها.
بل إنني أجد نفسي في صراع داخلي تتجاذبه المشاعر؛ بين رغبةٍ في الانتصار تارة، ورؤيةٍ فاحصة ومهنية وموضوعية لما بعد سقوط هذا النظام تارةً أخرى، لا سيما في ظل المتغيرات المتسارعة والخطيرة التي تمر بها المنطقة والعالم. فالسؤال الجوهري لا يتعلّق بسقوط النظام بحد ذاته، بقدر ما يتعلّق بما يمكن أن يترتب على هذا السقوط من آثار عميقة وخطيرة على أمن واستقرار المنطقة.
وأعتقد أن الأمر لن يقف عند حدود إسقاط النظام فقط، بل قد يذهب أبعد من ذلك بكثير، نحو سيناريوهات الفوضى والتقسيم، وتشظّي الدولة إلى دويلات عرقية وإثنية وقومية متصارعة. وهو ما سيفتح الباب واسعًا أمام تصدير الفوضى، وتسرب السلاح، وانتشار المخدرات، ونشاط الجماعات المتطرفة، ليس إلى دول الجوار فحسب، بل إلى العالم بأسره.
ولا شك أن مثل هذا المشهد يخدم بشكل مباشر أو غير مباشر أهداف إسرائيل ومخططاتها التوسعية والتدميرية في المنطقة، القائمة على نشر الفوضى، ورعاية التفكيك والتقسيم، وخلق تنظيمات موازية من غير الدول، تُستَخدم كأدوات لخدمة أجنداتها وتحقيق مصالحها الاستراتيجية.
أما فيما يتعلق بالملف اليمني، فإن سقوط النظام الإيراني إن تم دون انتقال منظم أو بديل واضح ستكون له انعكاسات معقدة على مسألة الحوثيين. فمن جهة، قد يؤدي انهيار الدعم الإيراني السياسي والعسكري والمالي إلى إضعاف الجماعة، وفتح نافذة حقيقية لإنهاء الحرب والتوجه نحو حل سياسي شامل يعيد للدولة اليمنية اعتبارها. ومن جهة أخرى، فإن سقوطًا فوضويًا للنظام قد يدفع الحوثيين إلى مزيد من التشدد والعنف، أو إلى البحث عن داعمين جدد، ما قد يطيل أمد الصراع ويزيد من معاناة اليمنيين.
إن حلّ المشكلة اليمنية لا يرتبط فقط بزوال الداعم الخارجي، بل بوجود رؤية إقليمية ودولية مسؤولة تضمن انتقالًا متوازنًا، وتمنع تحوّل الفراغ السياسي إلى فوضى مسلحة. فاليمن كما غيره من دول المنطقة لا يحتمل مزيدًا من الانهيارات الناتجة عن حسابات غير مدروسة أو انتصارات عاطفية قصيرة النظر.
من هنا، فإن التعاطي مع مسألة سقوط النظام الإيراني يجب أن يكون بعقل بارد، ورؤية استراتيجية، توازن بين مشروعية تطلعات الشعوب، وخطورة الانزلاق إلى فوضى شاملة قد تدفع المنطقة بأسرها ثمنها لعقود قادمة.
عصام شريم