وفاة بحبوح بابين
فُجع أهالي منطقة المخزن بمحافظة أبين، مساء الأربعاء أول أيام عيد الأضحى، بوفاة الشاب عبدالله أحمد صا...
كتبت زوجة الدكتور عبد الرحمن الشاعر كلمات مؤثرة في رثاوه باول أيام عيد الأضحى المبارك .
وجاء ذلك في منشور كتبته شذى القربي على صفحتها بموقع فيسبوك.
نص المنشور:
أسمع كثيرًا من يقول: "مات الشاعر"، وأرى كلمات رثاء تُكتب له بقلم هذا وذاك.
أما أنا فأقول: لا، الشاعر مسافر وسيعود.
لا أستطيع أن أتخّل أنه قد مات فعلًا، لأننا اعتدنا غيابه وعودته؛ يغيب فترات طويلة، وأحيانًا قصيرة، لكنه يعود دائمًا. لذلك ينتابني شعور دائم بأنه سيطرق الباب يومًا، فأقول: من؟
فيجيب: بابا.
كثيرًا ما أشعر بأنه سيعود، لأنه فعلًا كان يغيب أحيانًا شهرًا أو شهرين، فأعيش مع أولادي وكأنه موجود. كان غيابه متكررًا، وقد تحملتُ مسؤولية عظيمة على عاتقي، حتى أنني أصرخ أحيانًا وأقول له:
كفى!
أتعبتني…
أرهقتني…
لم أعد أستطيع التحمل…
كنت أقول له: كنتُ في بيت أبي، وكان همي الوحيد نفسي واحتياجاتي، وكل ما أطلبه أجده أمامي. ثم تزوجت، فثقلت عليّ المسؤولية.
فكان يبتسم لي بهدوء ويقول:
"أنا لن أبقى لكِ طويلًا، لا أحد يعرف كم بقي لي، لذلك أنا أصنع منكِ ما لا تتخيلين، وستتذكرين كلامي يومًا."
لم يكن زوجًا عاديًا كغيره من الأزواج.
حين أرى بعض الرجال يمنعون زوجاتهم من الخروج أو الزيارة أو شراء ما يرغبن فيه، أتذكر كم كان مختلفًا.
كان يحرص أكثر مني على زيارة أهلي، وتفقد أحوالهم، والقيام بالواجب معهم.
أعطاني حرية تامة لا تحلم بها كثير من النساء:
أشتري بحريتي،
ألبس بحريتي،
وأعطي بحريتي،
لا يتشرط ولا يتذمر.
فكيف أرثي رجلًا يستحيل أن يغيب لحظة عن ذاكرتي ومخيلتي؟
أراه في أمي،
وأراه في أبي،
وأراه في إخوتي،
وأراه في أولادي،
وأراه في كل تفاصيل حياتي.
كيف أرثي رجلًا جعل مني رجلًا وامرأة في آنٍ واحد، أحمل بيته وأولاده، وأكمل رسالته؟
لن أرثيه أبدًا…
لأنه سيبقى الأساس في كل ما سنصنعه في حياتنا العلمية والعملية.
لقد علّمني أن القوة ليست صلابة القلب، بل القدرة على الاستمرار رغم الانكسار، وأن العطاء لا يُقاس بما نملك، بل بما نُعطيه من روحنا.
علّمني أن المرأة يمكن أن تكون وطنًا كاملًا، إذا اضطرت، وأن الحب الحقيقي لا ينتهي بالغياب، بل يتحول إلى طاقة خفية تدفعنا للحياة.
رحل بجسده، نعم… لكن حضوره في داخلي لم يرحل.
صوته ما زال يرافقني في قراراتي،
ونصائحه تختبئ في كل موقف أمرّ به،
وابتسامته تسندني حين أضعف.
أحيانًا، أجلس بصمت وأتحدث إليه،
أشكو له تعب الأيام،
وأحكي له عن تفاصيلنا الصغيرة التي بدأت تكبر بدونه،
وأنتظر في داخلي جوابًا أعرف أنه لن يأتي… ومع ذلك أشعر به.
لقد أصبح الغياب شكلًا آخر من أشكال الحضور.
وأصبحتُ أؤمن أن بعض الناس لا يموتون، بل يتوزعون فينا، في ملامحنا، في تصرفاتنا، في كلماتنا، في قوتنا وضعفنا.
لن أبكيه كما يبكيه الآخرون،
لأنني لا أراه غائبًا،
بل ممتدًا في كل زاوية من حياتي.
سأكمل الطريق الذي بدأه،
وسأربي أبناءه على القيم التي غرسها،
وسأحكي لهم عنه لا كحكاية حزن، بل كقصة قوة وفخر.
وسأظل أقول لهم:
كان هنا…
وما زال هنا…
وسيظل ما حيينا.
فالرثاء نهاية…
وأنا لا أرى له نهاية.
عيد أضحى مبارك وكل عام وانتم بخير