المقاومة التهامية: بين استحقاق التحرير ومصيدة تقاسم النفوذ
تعلّقت آمال أبناء تهامة بقرار استقلال المقاومة التهامية، من خلال تشكيل قيادة عامة موحّدة، واعتبروه ت...
منذ نشأتها في مواجهة مليشيات الحوثي أواخر عام 2014، قطعت المقاومة التهامية مساراً عسكرياً وسياسياً معقداً، انتقلت خلاله من المواجهات الشعبية والمقاومة المحلية إلى تشكيل ألوية عسكرية شاركت في معارك تحرير مديريات الساحل التهامي، قبل أن تجد نفسها أمام تحديات تتعلق بموقعها داخل القوات الحكومية، وطبيعة علاقتها بالتشكيلات العسكرية الأخرى، وحقها في إدارة شؤونها المالية والإدارية والعملياتية.
وبينما شكلت معارك التحرير واتفاق استكهولم عام 2018، ثم انسحاب القوات المشتركة من مواقع استراتيجية في محافظة الحديدة عام 2021، محطات مفصلية في مسار المقاومة، أعادت التطورات العسكرية في سبتمبر 2026 الخلافات بشأن مستقبل الألوية التهامية إلى الواجهة، لتتسع في أكتوبر مع تبادل البيانات والتعقيبات بين قيادات عسكرية تهامية حول أسباب تعثر مشروع الاستقلال المؤسسي، وحدود الشراكة مع ألوية العمالقة الجنوبية، والجهة المخولة بإدارة القرار العسكري والمالي.
من الحراك السلمي إلى المقاومة المسلحة
تعود الجذور السياسية والمجتمعية للمقاومة التهامية إلى حالة رفض متراكمة لعقود من التهميش والإقصاء التنموي والوظيفي، وهي الحالة التي عبّر عنها الحراك التهامي السلمي منذ عام 2012 عبر المطالبة بالحقوق والتمثيل العادل، والتصدي لقضايا نهب الأراضي الساحلية، والدعوة إلى مشاركة أبناء تهامة في إدارة شؤون منطقتهم ضمن دولة اتحادية.
ومع اجتياح مليشيات الحوثي محافظة الحديدة وموانئها الاستراتيجية أواخر عام 2014، دخلت المنطقة مرحلة جديدة، انتقل فيها جانب من الحراك من العمل الحقوقي والسياسي إلى المواجهة المسلحة، في سياق رفض سيطرة الحوثيين والدفاع عن المناطق والقرى التهامية.
وبرز خلال تلك المرحلة عدد من الشخصيات التي ارتبطت بتأسيس الحراك والعمل المقاوم، في مقدمتها الشيخ الراحل عبدالرحمن شوعي حجري، الذي اضطلع بدور سياسي وميداني في قيادة الحراك والمقاومة التهامية، واللواء الركن خالد خليل، الذي أسهم في تأسيس الحراك وترؤس لجنته العسكرية، إلى جانب الشيخ يحيى محمد منصر، شيخ مشايخ قبائل الزرانيق، الذي حشد مقاتلين من أبناء القبائل للمشاركة في مواجهة مليشيات الحوثي وإسناد القوات الحكومية.
ومع انطلاق عمليات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية لدعم الشرعية في مارس 2015، اتسع نطاق التنسيق العسكري، وشارك مقاتلون تهاميون في جبهات متعددة، بالتزامن مع الاستعداد لمعركة استعادة المناطق الساحلية والموانئ الحيوية على البحر الأحمر
معارك التحرير وتشكيل الألوية التهامية
مثلت عملية «الرمح الذهبي»، التي انطلقت مطلع عام 2017 بدعم من التحالف العربي، محطة رئيسية في الانتقال من المقاومة المحلية إلى التشكيلات العسكرية المنظمة. ومع توسع العمليات على امتداد الساحل، جرى استيعاب مقاتلين من أبناء تهامة والزرانيق في ألوية عسكرية تولت مهام القتال وتأمين المناطق المحررة وخطوط الإمداد.
وتوزعت التشكيلات التهامية على قطاعات ميدانية مختلفة، شملت اللواء الأول تهامة، الذي ارتبطت عملياته بمناطق الخوخة والتحيتا ومشارف الحديدة، واللواء الثاني تهامة بقيادة العميد فؤاد محمود باقاضي، المعروف بفؤاد جهنم، والذي تمركز في قطاع حيس ومناطق جنوب الحديدة، واللواء الرابع تهامة بقيادة العميد مراد شراعي، بمشاركة أركان حربه العقيد أحمد غانم، في قطاعات الجبلية والفازة وتأمين خطوط الإمداد الساحلية.
كما تشكل اللواء الأول زرانيق بقيادة العميد سليمان يحيى منصر في ديسمبر 2017، فيما تولى العميد مدين القبيصي قيادة اللواء الثاني زرانيق في مهام ميدانية ضمن قطاعات متعددة.
وامتد الحضور التهامي كذلك إلى التشكيلات البحرية وخفر السواحل، التي اضطلعت بمهام مرتبطة بتأمين الشريط الساحلي ومراقبة المياه الإقليمية ومواجهة التهديدات البحرية وعمليات التهريب.
وأسفرت العمليات العسكرية عن تحرير مديرية الخوخة في ديسمبر 2017، ثم مديرية حيس، قبل التقدم نحو مناطق الساحل ومواقع أخرى في مديريات التحيتا والجاح والنخيلة. وفي عام 2018، شاركت الألوية التهامية إلى جانب ألوية العمالقة الجنوبية في العمليات العسكرية التي وصلت إلى محيط مدينة الحديدة ومطارها، وشملت مناطق على امتداد شارع الخمسين ومحيط كيلو 16 ومستشفى 22 مايو.
وكان التقدم باتجاه المدينة ومينائها يضع القوات الحكومية أمام فرصة لاستكمال السيطرة على مركز محافظة الحديدة ومرافقها الحيوية، قبل أن تتوقف العمليات في سياق الضغوط الدولية والأممية التي سبقت اتفاق استكهولم.
اتفاق استكهولم وتشكيل القوات المشتركة
أدى اتفاق استكهولم، الموقع في ديسمبر 2018، إلى وقف العمليات العسكرية في مدينة الحديدة ومحيطها، وتجميد جبهة كانت تشهد مواجهات واسعة. وبينما قُدّم الاتفاق باعتباره خطوة لتجنب تفاقم الأزمة الإنسانية، أثار وقف التقدم العسكري استياءً في أوساط تهامية رأت أن الاتفاق حال دون استكمال معركة التحرير.
وفي ظل استمرار الجمود العسكري، برزت عام 2019 مظلة «القوات المشتركة» في ساحل تهامة الغربي، وضمت قوات المقاومة الوطنية، المعروفة بحراس الجمهورية بقيادة طارق عفاش، وألوية العمالقة الجنوبية بقيادة عبدالرحمن أبو زرعة المحرمي، إلى جانب ألوية المقاومة التهامية والزرانيق
وعلى الرغم من توحيد عدد من المهام العملياتية وغرف القيادة والسيطرة، تصاعدت لاحقاً انتقادات تهامية بشأن توزيع الدعم العسكري واللوجستي والموارد، فضلاً عن طبيعة المشاركة في صناعة القرار الميداني.
وترى أوساط تهامية أن الألوية التي تقاتل على أرضها التاريخية لم تحصل على مستوى النفوذ والموارد الذي يتناسب مع دورها وتضحياتها، وأن محدودية استقلالها المالي والإداري جعلت قرارها العسكري مرتبطاً بقيادات تشكيلات أخرى. في المقابل، يبرز داخل معسكر القوات الحكومية منطق يقوم على أهمية توحيد القيادة والموارد ضمن منظومة عسكرية مشتركة، خصوصاً في جبهة تتطلب تنسيقاً مستمراً وإمكانات قتالية ولوجستية كبيرة.
وبمرور الوقت، تحولت هذه المسألة من خلاف تنظيمي إلى واحدة من أبرز القضايا الخلافية بشأن مستقبل المقاومة التهامية وموقعها داخل المؤسسة العسكرية.
انسحاب نوفمبر 2021.. جرح لم يندمل
في منتصف نوفمبر 2021، نفذت القوات المشتركة انسحاباً واسعاً من مواقع استراتيجية في محيط مدينة الحديدة، شملت مناطق كيلو 16 ومدينة الصالح ومجمع إخوان ثابت وأجزاء من مديرية الدريهمي ومناطق شمال التحيتا.
وقدمت قيادة القوات المشتركة الخطوة باعتبارها إعادة انتشار وتموضع خارج نطاق القيود المرتبطة باتفاق استكهولم، بهدف تعزيز حرية الحركة العسكرية وإعادة تركيز القوات في جبهات أخرى، بينها حيس والبرح.
لكن الانسحاب أثار اعتراضات واسعة في أوساط تهامية، خصوصاً بعد دخول مليشيات الحوثي إلى مناطق أُخليت، وما رافق ذلك من مخاوف على سلامة المواطنين الذين تعاونوا مع القوات الحكومية، ونزوح أسر خشية التعرض للانتقام.
ووجهت قيادات تهامية انتقادات إلى طريقة تنفيذ الانسحاب، معتبرة أنه جرى دون ضمانات كافية لحماية المواطنين أو ترتيبات تحول دون عودة مليشيات الحوثي إلى المناطق التي جرى إخلاؤها. كما أسهمت تداعياته في تصاعد الخلافات بشأن إدارة الألوية التهامية وطبيعة علاقتها بالقيادة المشتركة، ورافقت المرحلة تغييرات في قيادة اللواء الأول تهامة، شملت انتقال القيادة من العميد أحمد الكوكباني إلى العميد فاروق الخولاني.
ومنذ ذلك الحين، ظل الانسحاب أحد أبرز الملفات التي تستحضرها القيادات التهامية عند مناقشة استقلال القرار العسكري، والضمانات اللازمة لمنع تكرار قرارات ميدانية قد تترتب عليها خسائر عسكرية وإنسانية واسعة.
تطورات سبتمبر 2026 تعيد أزمة القيادة إلى الواجهة
عادت الخلافات بشأن وضع الألوية التهامية إلى الواجهة بصورة أكثر حدة مع التطورات العسكرية التي شهدها ساحل تهامة الغربي في سبتمبر 2026، حيث تعرضت جبهات عدة لهجمات من مليشيات الحوثي، ترافقت، وفق المعلومات الواردة بشأن تلك الأحداث، مع استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ والوسائل البحرية، وضغوط ميدانية على محاور حيس وموزع والوازعية وكهبوب.
وأدت المواجهات والتراجعات التي أعقبتها إلى إخلاء مواقع وتغيير خطوط الانتشار العسكري، وسط مخاوف من تهديد طرق الإمداد وعزل بعض القطاعات عن بعضها، ولا سيما المناطق الواقعة بين حيس والخوخة والمخا. كما أعادت تلك التطورات النقاش حول فاعلية القيادة العسكرية المشتركة، ومدى جاهزية القوات للتعامل مع الهجمات، وأسباب الاختلالات التي ظهرت على خطوط المواجهة.
وتحدثت تقديرات متداولة في أعقاب الأحداث عن نزوح أكثر من 23,662 أسرة، تضم نحو 142 ألف شخص، من مناطق تضررت بفعل المواجهات والتراجع العسكري. وأمام حجم الخسائر الإنسانية، تجددت المطالب بمراجعة أداء القيادات المعنية، وتعزيز التنسيق الميداني، وضمان عدم تحول الخلافات التنظيمية إلى عامل إضافي يضعف الجبهة.
وبينما تختلف ظروف انسحابات نوفمبر 2021 وتطورات سبتمبر 2026، فإن القاسم المشترك بينهما يتمثل في انعكاس القرارات العسكرية والتحولات الميدانية على السكان والنازحين، وفي تجدد الخلاف بشأن مدى قدرة الألوية التهامية على التأثير في القرارات المتعلقة بأمن مناطق انتشارها.
تفاهمات الرياض ومطلب الاستقلال المؤسسي
في أعقاب تطورات سبتمبر 2026، تصاعدت التحركات الرامية إلى إعادة تنظيم القوات التهامية وتحديد موقعها في هيكل القوات الحكومية. وفي 13 سبتمبر، صدر عن طارق عفاش قرار بتشكيل قوة مستقلة للمقاومة التهامية وتعيين اللواء زايد محمد منصر قائداً لها، وهي خطوة أثارت نقاشاً بشأن الجهة المخولة بإصدار قرارات تنظيم القوات، والمرجعية القانونية التي ينبغي أن تستند إليها عملية الاستقلال.
وفي موازاة ذلك، تحركت قيادات سياسية وعسكرية تهامية نحو القيادة السياسية العليا، في إطار مساعٍ للحصول على ضمانات واضحة لإنهاء الخلاف حول التبعية التنظيمية والمالية.
وضم وفد تهامي، بحسب المعلومات الواردة بشأن اللقاءات، محافظ الحديدة الدكتور الحسن طاهر، ووزير دولة، وشخصيات برلمانية وقبلية، والتقى رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي. كما ارتبطت التحركات بتوجيهات من وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ومباركة رئاسية لاتخاذ خطوات تعالج وضع الألوية التهامية.
واستُدعي إلى الرياض كل من العميد زايد محمد منصر، قائد محور الحديدة، والعميد أحمد محمد غانم، أركان حرب اللواء الرابع تهامة، للمشاركة في نقاشات تتعلق بإعادة تنظيم القوات التهامية وعلاقتها ببقية التشكيلات العسكرية في ساحل تهامة الغربي.
وتركزت التفاهمات المتداولة على نقل الألوية التهامية من وضع يرتبط بمسمى المقاومة ذات الطابع الشعبي إلى تشكيل عسكري ٩ذمؤسسي ضمن القوات الحكومية، مع التأكيد على استقلالها المالي والإداري والعملياتي، وإلحاقها بوزارة الدفاع اليمنية، واستكمال الإجراءات الرسمية المتعلقة بقيادتها ومرتبات منتسبيها وتجهيزاتها.
غير أن الخلاف الذي ظهر لاحقاً كشف أن التفاهم على مبدأ الاستقلال لا يعني بالضرورة الاتفاق على آليات تنفيذه، أو على شكل العلاقة المستقبلية مع ألوية العمالقة الجنوبية، أو على الجهة التي تتولى صرف المستحقات وإدارة الموارد.
بيان قيادة الألوية التهامية يرفض التبعية المالية والإدارية
في 26 أكتوبر 2026، أصدرت قيادة الألوية التهامية، ممثلة بالعميد زايد محمد منصر والعميد أحمد محمد غانم، بياناً توضيحياً بشأن تعثر تنفيذ التفاهمات المرتبطة بإعادة تنظيم الألوية واستقلالها.
وأكد البيان، وفق مضمونه، التمسك بالمرجعيات المؤسسية للدولة، والاستناد إلى توجيهات القيادة السياسية والعسكرية التي رافقت لقاءات الرياض. وشدد على أن إنصاف أبناء تهامة يتطلب إدماج قواتهم ضمن المؤسسة العسكرية الرسمية، مع منحها استقلالاً إدارياً ومالياً وعملياتياً واضحاً.
وحمّل البيان جهات وشخصيات نافذة مسؤولية التحركات التي قال إنها تهدف إلى عرقلة تنفيذ التفاهمات أو إفراغها من مضمونها، من خلال الدفع نحو إلحاق الألوية التهامية بتشكيلات عسكرية أخرى، وفي مقدمتها ألوية العمالقة الجنوبية.
كما رفض ربط مرتبات المقاتلين ومستحقاتهم بشروط تتعلق بالولاء التنظيمي أو القبول بالتبعية لقيادة أخرى، معتبراً أن الحق٩ هذا الموقف إلى أن استقلال الألوية التهامية، من وجهة نظر قيادتها، لا يستهدف قطع التعاون مع بقية القوات الحكومية، بل تنظيم العلاقة معها على أساس مؤسسي يضمن وحدة القرار الوطني، ويحفظ في الوقت ذاته خصوصية الألوية وحقها في إدارة شؤونها وفق مرجعية وزارة الدفاع.
سليمان منصر: الخلاف يبدأ من داخل القيادة التهامية
في المقابل، قدم العميد سليمان يحيى منصر، قائد اللواء الأول زرانيق، رداً وتعقيباً خالف فيه تشخيص قيادة الألوية التهامية لأسباب تعثر مشروع الاستقلال.
وركز منصر في موقفه على أن الأزمة لا يمكن تفسيرها بالتدخلات الخارجية وحدها، محملاً القيادات التهامية جانباً من المسؤولية عن استمرار الخلافات الداخلية، وغياب الرؤية الموحدة، وعدم القدرة على إدارة ملف الاستقلال بصورة تحقق توافقاً بين مختلف التشكيلات والقيادات.
كما دافع عن أهمية التعاون العسكري مع ألوية العمالقة الجنوبية، معتبراً أن قدراتها التنظيمية وخبرتها القتالية وإمكاناتها اللوجستية تجعلها شريكاً مهماً في حماية الجبهات وضمان استمرار الإمداد والحفاظ على تماسك القوات.
واستحضر منصر الدور الذي أدته ألوية العمالقة في المعارك التي شهدها ساحل تهامة الغربي منذ عام 2017، مشيراً إلى ما قدمته من دعم وتدريب وتسليح لوحدات تهامية، وما تكبدته من خسائر خلال العمليات العسكرية. ورفض، وفق مضمون تعقيبه، اعتبار الشراكة معها بالضرورة شكلاً من أشكال الوصاية أو الانتقاص من تضحيات أبناء تهامة.
وشدد على أن معيار نجاح أي ترتيب عسكري ينبغي أن يتمثل في حماية المقاتلين، وانتظام المرتبات والمستحقات، وتوافر التسليح والإمداد، والقدرة على إدارة المعركة، لا في الاكتفاء بإعلان الاستقلال أو تثبيت مسميات تنظيمية لا تنعكس على الواقع الميداني.
وبذلك، وضع التعقيب الخلاف في إطار مختلف عن بيان قيادة الألوية التهامية؛ فبينما تركز القيادة على ضرورة ضمان الاستقلال المؤسسي ومنع فرض التبعية، يرى منصر أن الخلافات الداخلية وضعف التنسيق يمثلان جزءاً رئيسياً من المشكلة، وأن التكامل مع تشكيلات أكثر جاهزية قد يكون خياراً عملياً لتجاوزها.
خلاف على شكل الاستقلال لا على المبدأ وحده
تكشف المواقف المتقابلة عن اختلاف في تشخيص أسباب التعثر، وفي تحديد الوسيلة المناسبة لحماية القوات التهامية وضمان استمرارها.
فقيادة الألوية التهامية ترى أن الاستقلال المالي والإداري والعملياتي شرط لبناء قوة منضبطة تابعة لوزارة الدفاع، وأن التعاون الميداني مع التشكيلات الأخرى لا ينبغي أن يتحول إلى تبعية في إدارة المرتبات والموارد والقرارات.
أما العميد سليمان يحيى منصر، فيضع معالجة الانقسامات الداخلية وتحقيق الجاهزية العسكرية وتأمين مستحقات الجنود في مقدمة الأولويات، معتبراً أن الشراكة مع ألوية العمالقة قد توفر ضمانات عملية لا تستطيع البيانات والتفاهمات وحدها توفيرها.
ويعكس التباين بين الموقفين أزمة أعمق من مجرد خلاف حول مسمى عسكري أو جهة إدارية؛ إذ يتعلق الأمر بمن يمتلك سلطة القرار، وكيف تُدار الموارد، وما إذا كانت الألوية التهامية ستعمل ضمن هيكل مستقل مرتبط بوزارة الدفاع، أم ضمن ترتيبات أكثر اندماجاً مع تشكيلات عسكرية قائمة.
كما أن اتساع الخلاف بين شخصيات تنتمي إلى بيئة قبلية واحدة، وفي مقدمتها قيادات من قبائل الزرانيق، يرفع كلفة الانقسام على الحاضنة الاجتماعية، ويضعف قدرة القيادات التهامية على التفاوض بموقف موحد بشأن مستقبل قواتها.
مستقبل الألوية التهامية أمام استحقاق حاسم
تأتي هذه الخلافات في وقت لا تزال فيه جبهات ساحل تهامة الغربي تواجه تحديات عسكرية وأمنية، فيما يعاني السكان والنازحون تداعيات المواجهات وفقدان الاستقرار. وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن يؤدي استمرار النزاع على القيادة والموارد إلى إضعاف التنسيق بين القوات الحكومية، وخلق ثغرات قد تستفيد منها مليشيات الحوثي.
ويظل ملف المرتبات أحد أكثر جوانب الأزمة حساسية، نظراً إلى ارتباطه المباشر بمعيشة المقاتلين واستقرار وحداتهم. فاستمرار الخلاف بشأن الجهة التي تصرف المستحقات أو الشروط المرتبطة بها قد يزيد الاحتقان داخل الصفوف العسكرية، في حين أن معالجة هذا الملف بصورة مؤسسية يمكن أن تساعد على تخفيف التوتر وإعادة تركيز الاهتمام على الجبهات.
وفي المقابل، فإن حسم الاستقلال لا يقتصر على إعلان سياسي أو قرار تنظيمي، بل يتطلب تحديداً واضحاً للتسلسل القيادي، ومصادر التمويل، ومسؤوليات وزارة الدفاع، وآليات التنسيق العملياتي مع بقية القوات الحكومية. كما يتطلب توحيد الموقف الداخلي للألوية التهامية، بما يمنع تحول الخلافات بين القيادات إلى انقسام ميداني أو قبلي.
وتضع هذه التطورات مجلس القيادة الرئاسي ووزارة الدفاع اليمنية أمام مسؤولية حسم الملف وفق مرجعية رسمية واضحة، تضمن الحقوق المالية والإدارية للمقاتلين، وتحدد صلاحيات القيادة، وتحافظ على التنسيق العسكري من دون فرض ترتيبات تفتقر إلى التوافق.
وبين مطالب الاستقلال المؤسسي ودعوات الاندماج والتكامل العسكري، يبقى التحدي الأساسي أمام المقاومة التهامية هو الانتقال من الخلاف حول مستقبلها إلى بناء صيغة تنظيمية مستقرة، تضمن وحدة الصف، وتحفظ تضحيات المقاتلين، وتمنح أبناء تهامة دوراً واضحاً في إدارة قواتهم، ضمن المؤسسة العسكرية للدولة.
فمستقبل الألوية التهامية لن يتحدد بالبيانات المتبادلة وحدها، بل بقدرة القيادات المعنية والسلطات الرسمية على تحويل التفاهمات إلى قرارات نافذة وترتيبات عملية، تمنع تكرار الاختلالات التي شهدتها الجبهة، وتحافظ على تماسك القوات الحكومية في واحدة من أكثر المناطق اليمنية أهمية من الناحيتين العسكرية والاستراتيجية.