‏اليمن بين التفكك وإعادة التأسيس: من منطق إدارة الأزمة إلى هندسة الدولة.

يقف ‎#اليمن اليوم عند مفترق حاسم: إما الاستمرار في صراعات وأزمات مفتوحة، أو الانتقال إلى مشروع إعادة تأسيس للدولة يعالج جذور الصراع بدل تدوير نتائجه.

لقد أصبح اليمن ساحة تتقاطع فيها المشاريع المحلية مع الحسابات الإقليمية، ويتراجع فيها منطق الدولة أمام أمراء الحرب وتجار الفساد، وتتحول فيها "الوحدة"  إلى شعار بلا مؤسسات، و"السيادة"  إلى مفهوم مجرد بلا أدوات. وفي هذا السياق، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نعيد اليمن إلى ما كان عليه؟ بل: أي دولة يمكن أن تحكم اليمن كما هو؟

إن الرهان على استعادة دولة مركزية قوية عبر الغلبة العسكرية أثبت فشله. وفي المقابل، فإن الانزلاق نحو التفكك الواقعي دون إطار منظم يهدد بتحويل اليمن إلى فراغ استراتيجي دائم، يضاعف كلفة عدم الاستقرار على اليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي.

التاريخ يعلمنا أن الدول التي تعيش هذا التفكك والصراع العمودي والأفقي لا تبنى بالشعارات، بل بتسويات كبرى تعيد تعريف السلطة، وتوزعها بطريقة تقلل دوافع العنف، وتحول الصراع من ميدان السلاح إلى ساحة السياسة.

إن الحل الذي يقلل الخسائر ويعظم المكاسب لليمنيين أولا وللإقليم ثانياً وللمجتمع الدولي (المعني بمكافحة الإرهاب وتأمين الملاحة البحرية) ثالثاً يتمثل في دولة اتحادية واحدة كهندسة عقلانية للواقع. دولة تقوم على أقاليم متجانسة في حدودها، واضحة في صلاحياتها، عادلة في توزيع مواردها، ومرتبطة بمركز سيادي متوازن وفاعل.

الفيدرالية هنا تعترف بتعدد مراكز القوة، لكنها تضعها داخل نظام قانوني واحد؛ تمنح الأقاليم حكما ذاتيا حقيقيا، لكنها تحصر السيادة (العملة، السياسة الخارجية، المنافذ، والدفاع) في إطار اتحادي جامع. وبهذا، يتحول الصراع من سؤال "من يحكم اليمن؟"  إلى سؤال كيف يُحكم اليمن؟".

وفي هذا السياق لا يمكن إعادة تأسيس الدولة بعاصمة مثقلة بالصراعات ومحاطة بقوى ليست جاهزة بعد لقبول سيادة النظام والقانون. إن نقل العاصمة الاتحادية إلى مدينة منفتحة ومحايدة  (في تهامة أو حضرموت مثلاً) ليس تفصيلا إداريا، بل قرارا استراتيجيا يعيد تعريف مركز السلطة. عاصمة اتحادية جديدة ذات وضع قانوني خاص تفصل بين الدولة والغلبة، وبين المؤسسات والميليشيا، وتخرج الرمز السيادي من دائرة الاستقطاب.

أصعب وأخطر خطوة أمام هذا المسار هي توحيد القوات المسلحة والذي يحتاج أولا إلى توحيد المشاريع السياسية التي تقف خلفها وتقديم كل الضمانات بعدم الاستهداف أو الإقصاء. من ثم الانتقال إلى مسار تدريجي يبدأ بتوحيد المعايير والرواتب والسجل العسكري، ثم بناء قوات اتحادية للمهام السيادية، وصولا إلى دمج منظم ومدروس. وقد آن الأوان للمضي في هذه الخطوة.
بهذا المنطق، تتحول الجيوش من أدوات صراع إلى مؤسسات دولة، وتصبح الشرعية ناتجا عن الوظيفة لا عن السيطرة.

بالنسبة للإقليم والمجتمع الدولي، فإن دولة يمنية اتحادية مستقرة ليست عبئا، بل استثمارا طويل الأمد. فهي تقلل مخاطر الحدود، وتحمي الممرات البحرية، وتخفض كلفة التدخلات المتكررة، وتمنع تحول اليمن إلى مسرح صراعات بالوكالة. الاستقرار هنا ليس قيمة أخلاقية فحسب، بل مصلحة استراتيجية.

ورغم أن الدولة الاتحادية الواحدة، بعاصمة محايدة وجيش وطني موحد، قد لا تكون حلا مثاليا لدى البعض، لكنها الحل الأكثر واقعية وإمكانية لمنح اليمن فرصة للخروج من دائرة الصراع والانطلاق نحو مستقبل السلام ودولة سيادة النظام والقانون. والتاريخ لا يكافئ من يتمسكون بالمصلحة الفئوية، بل من يقدمون التنازلات للانطلاق نحو مستقبل أفضل.

مقالات الكاتب