التفويض التعاقدي المرحلي: هل هو التفافٌ على اللامركزية أم العبور الآمن نحوها؟

من الطبيعي جداً، في ظل عقودٍ من الإدارة المركزية الصارمة وتراكم الخيبات من الوعود الإدارية السابقة، أن يُقابل أي مصطلح جديد بنوع من الريبة. وحين يبرز اليوم توجه "التفويض التعاقدي"   كإطار ناظم للعلاقة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية، يبرز معه سؤال مشروع ومخاوف حقيقية من النخب المحلية والمجتمع: هل هذا التوجه محاولة مبطنة لإعادة إنتاج المركزية بعباءة جديدة؟ وهل هي آلية لمنح الصلاحيات باليمين واستردادها باليسار تحت سيف الشروط والرقابة؟

ولتفكيك هذا التخوف، يجب أولاً أن نتسلح بالواقعية الشديدة وقراءة المشهد التشريعي والسياسي في البلاد كما هو دون رتوش.

إن المطالبة بسن تشريعات وقوانين جذرية جديدة للامركزية الكاملة في الوقت الراهن هي أشبه بوضع العربة أمام الحصان؛ فصعوبة التشريع وإصدار القوانين في ظل ظروف الحرب والانقسام تظل عقبة كأداء. يضاف إلى ذلك أن تجارب السلطات المحلية خلال السنوات الماضية عانت من نوع من الفوضى والارتجال، وظهر تفاوت كبير وصارخ في قدرات المحافظات؛ فبينما تمتلك بعض المحافظات إرثاً إدارياً صلباً وأجهزة قادرة على استيعاب نقل الصلاحيات، تعاني محافظات أخرى من ضعف شديد في كوادرها وبنيتها المؤسسية، مما يجعل إلقاء اللامركزية الكاملة دفعة واحدة فوق كاهل الجميع مغامرة غير مأمونة العواقب قد تؤدي إلى انهيار ما تبقى من مؤسسات خدمية.

والأخطر من ذلك كله، أن العلاقة الواقعية اليوم بين المركز والسلطات المحلية باتت تسير فعلياً خارج مظلة قانون السلطة المحلية الحالي؛ إذ وجدت السلطات المحلية نفسها مضطرة لتقديم الخدمات وإدارة الملفات الحيوية باجتهادات وتدابير استثنائية فرضها واقع الحرب الأليم وغياب التمويل المركزي. هذه المهام والإجراءات، رُغم أهميتها لإنقاذ حياة الناس وتسيير المدن، تفتقر اليوم إلى الغطاء  القانوني والتنظيمي المنضبط، وبحاجة ماسة إلى "إعادة ضبط لشرعنتها وتأطيرها" بطريقة قانونية ومؤسسية تحمي السلطات المحلية من أي ملاحقات أو اتهامات بالتجاوز مستقبلاً.

من هنا تحديداً، يكتسب "التفويض التعاقدي" أهميته القصوى كـ "جسر عبور وتدرج مبرمج"؛ فهو لا ينتظر تشريعات برلمانية معقدة قد تستغرق سنوات، بل يتحرك مرناً عبر قرارات تنفيذية مباشرة من رئيس الوزراء ومجلس الوزراء ليعيد ضبط الممارسات القائمة على الأرض ويمنحها الشرعية القانونية الكاملة، مستجيباً لاحتياجات المحافظات الجاهزة فوراً دون الإضرار بالمحافظات الأقل قدرة.

الحاضنة السياسية والتدويل: المشروع الموازي والداعم

ولمَن يعتقد أن هذا التوجه مجرد فكرة عابرة، فإن الواقع السياسي يؤكد وجود مشروع استراتيجي يسير بشكل موازٍ وداعم لهذا المسار، وهو مشروع "تمكين السلطات المحلية من الصلاحيات الكاملة" المعتمد رسمياً من مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الحكومة. هذا المشروع ليس مجرد حبر على ورق، بل تحول إلى حقيقة على الأرض من خلال شقين جوهريين:

1. الدعم والتمويل الدولي: وافقت المجموعة الأوروبية رسمياً على تمويل المرحلة الأولى من هذا المشروع والمخصصة لـ "تأهيل ورفع قدرات السلطات المحلية"، والتي سيتولى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) تنفيذها. هذا الدعم الأممي سيتسق تماماً مع توجه "التفويض التعاقدي"، حيث سيركز في مراحله الأولى على سد فجوة "تفاوت القدرات بين المحافظات" وتجهيز كوادرها فنياً ومالياً لإدارة العقود بنجاح.

2. المأسسة العليا للدولة: سيتم الإعلان قريباً عن تشكيل "المجلس الأعلى لإعداد وتنفيذ استراتيجية تمكين المحافظات من السلطات الكاملة" في إدارة شؤونها الخدمية والاقتصادية والتنموية والأمنية. هذا المجلس سيكون المرجعية السياسية والقانونية العليا التي تحمي هذا التحول التاريخي وتضمن وصوله إلى غايته النهائية.

وعندما ننظر إلى "التفويض التعاقدي" في سياق هذه الحاضنة السياسية والدولية الضخمة، تتبدد الهواجس تماماً وتترسخ ثلاث قناعات أساسية تؤكد أن الإدارة بالتعاقد هي المسمار الأخير في نعش المركزية العشوائية:

أولاً: العقد يحميك من "مزاجية" المركز ولا يخضعك لها

في الوضع الحالي، تخضع العلاقة بين المركز والمحافظات "للمزاج السياسي" أو قوة ونفوذ هذا المحافظ أو ذاك الوزير. الصلاحيات الممنوحة اليوم قد تُسحب غداً بقرار فوقي مفاجئ، والمخصصات المالية تظل رهينة دهاليز البيروقراطية في العاصمة. التفويض التعاقدي يقلب هذه الآلية تماماً؛ فالعقد شريعة المتعاقدين. عندما توقع المحافظة عقداً مع رئيس الوزراء لإدارة قطاع تنموي أو إيرادي، تتحول العلاقة من "تابع ومتبوع" إلى "شريكين في اتفاق قانوني ملزم". المركز هنا لا يملك حق التدخل اليومي أو سحب الصلاحية فجأة ما دامت المحافظة ملتزمة ببنود العقد. العقد يصبح درعاً قانونياً يحمي خصوصية المحافظة وصلاحياتها ويثبّتها في وثيقة رسمية لا تلغيها التغييرات الحكومية.

ثانياً: الرقابة على "النتائج" وليست وصاية على "القرارات"

يتخوف البعض من أن مؤشرات الأداء والرقابة اللاحقة هي مدخل للمركزية. وهنا مكمن الفهم الخاطئ؛ فالمركزية التقليدية تخنقك بـ "الرقابة المسبقة" (لا تصرف، لا توظف، لا تنفذ مشروعاً إلا بإذن منا). أما التفويض التعاقدي فيقوم على "الرقابة اللاحقة على النتائج". المركز في هذا النموذج يرفع يده تماماً عن التدخل في كيف تدير المحافظة شؤونها اليومية، وأين تضع أولوياتها، وكيف تدير مواردها البشرية والمالية لإنجاز المهمة. هو فقط يتفق معك على ماذا يجب أن يتحقق (مثلاً: تشغيل المستشفى بكفاءة، أو رفع نسبة تحصيل الإيراد الفلاني). هذه ليست إعادة للمركزية، بل هي قمة النضج الإداري الذي يمنح السلطة المحلية مرونة وحرية كاملة في اتخاذ القرار وإدارة الميدان، مع الالتزام بالشفافية أمام المجتمع وأمام الدولة.

ثالثاً: سد الذرائع وبناء "نموذج النجاح الملهم"

لطالما تذرعت العواصم المركزية بأن المحافظات "غير جاهزة فنيّاً" لإدارة شؤونها، أو تفتقر إلى الكفاءة. البدء بالتفويض التعاقدي - بالتزامن مع برنامج الـ UNDP لتأهيل القدرات - هو الرد العملي الذكي لسد هذه الذرائع. إنه يتيح للمحافظات (لا سيما تلك التي تمتلك إرثاً إدارياً صلباً وتجربة متراكمة مثل حضرموت وعدن) أن تنتزع صلاحياتها فوراً بناءً على مخرجات ورش العمل الوطنية (مثل ورشتي عدن والمكلا) وعبر مشاريع ريادية (Pilot Projects) واضحة المعالم. نجاح المحافظة في تنفيذ عقد إداري واحد (كإدارة منفذ، أو تشغيل قطاع خدمي، أو تدوير جزء من الإيرادات) يعطي النخب المحلية والمجتمع الحجة الدامغة للمطالبة بملفات أكبر، بل ويفرض واقعاً جديداً يسترشد به "المجلس الأعلى" عند صياغة الاستراتيجية النهائية للتمكين الكامل.

خلاصة القول:

التفويض التعاقدي ليس قيداً جديداً تكبّل به الحكومة المحافظات، وليس التفافاً لإعادة المركزية، بل هو "المرحلة التنفيذية الأولى والواقعية"لترجمة قرارات مجلس القيادة الرئاسي وتوجهات رئيس الحكومة لتمكين السلطات المحلية بشكل كامل ومستدام.
إن التمسك بانتظار "اللامركزية المطلقة بنصوص دستورية جاهزة" في ظل تعقيدات واقع الحرب وتفاوت قدرات المحافظات قد يعني الانتظار لسنوات دون تقدم يذكر على الأرض؛ بينما البدء الفوري بـ "التفويض التعاقدي" المسنود بالدعم الأممي، هو انتزاع عملي ومؤسسي للصلاحيات، يبني ثقة المجتمع في قدرة سلطته المحلية، ويؤسس لنموذج حكم حديث تكون فيه المحافظة هي قائدة التنمية وصاحبة القرار الأول في أرضها.

هذا المسار المتدرج والناجح ليس بديلاً عن الطموح الكبير، بل هو الذي سيُكلّل حتماً في نهاية الطريق بوضع قانون تشريعي صلب، يمنح السلطات المحلية صلاحياتها الكاملة والمستدامة في إدارة شؤونها كافة.

مقالات الكاتب