امتحانات الثانوية في عدن.. طموح الأجيال يُصارع ظلام "الخذلان الخدمي"

بين لهيب صيفٍ خانق يُطوّق الأجساد، وظلامٍ دامس يبتلع الحارات والمنازل، تعيش العاصمة عدن هذه الأيام فصلاً كابوسياً من فصول المعاناة اليومية. عدن، هذه المدينة الحاضنة للعلم والثقافة والتاريخ، بات إنسانها اليوم يصارع من أجل أبسط مقومات البقاء؛ في واقع خدمي ومعيشي كارثي تخطى حدود الاحتمال، ووصل إلى مرحلة العجز الكامل عن تأمين أساسيات الحياة الكريمة.
إن واقع الحال يشير إلى أن المواطن في عدن أصبح اليوم كالأسير المحكوم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة؛ يساق كل يوم إلى معاناة لا تنتهي مع انقطاع الكهرباء والمياه، وتدهور المعيشة. والمفارقة المؤلمة أن الناس قد لا تشعر بثقل هذا الحكم القاسي؛ لأنهم انشغلوا بمواساة بعضهم البعض، وتجرع المرار بالصبر الصامت، لكن الحقيقة العارية خلف هذه المواساة هي وضع كارثي حقيقي ومأساوي؛ وضعٌ سرق الوقت، وسرق العمر، وسرق الشباب، وسرق الصحة، واختطف الفرحة من القلوب ليحيل الأيام إلى روتين باهت من المكابدة والانتظار.
وفي قلب هذه المأساة، يقبل طلاب المرحلة الثانوية هذه الأيام على امتحانات شهادة الثالث الثانوي، ليخوضوا معركتهم المصيرية في أسوأ ظروف إنسانية ممكنة. يمسكون أقلامهم وأوراقهم تحت وطأة تشتت الانتباه وانعدام الاستقرار، يصارعون الحرّ والظلام بدلاً من التركيز في دفاترهم، لتتحول ساعات المذاكرة إلى قطعة من العذاب، وهو ما يهدد بتبديد جهود سنوات من التحصيل العلمي.
وهنا، بصفتنا معنيين بالإدارة العامة لمعهد التدريب والتأهيل، لا يمكننا عزل هذا التدهور الخدمي الخانق عن أثره التربوي والتعليمي التدميري؛ فهذه الأجواء الكارثية لا تصنع بيئة صالحة لبناء المعرفة، بل تصيب أجيالنا الناشئة بالإحباط المبكر، وتجفف لديهم حس المبادرة والطموح، وتجعل الاستثمار في تأهيل الكوادر وتطوير التعليم يواجه عقبات قاهرة تفوق كل الجهود المبذولة في الميدان.
إن ما يحدث اليوم في عدن لن تقف أضراره عند حدود الحاضر، بل سيمتد بأثره الكارثي ليلقي بظلاله السيئة على السنوات والعقود القادمة؛ حيث ستجني أجيالنا القادمة ثمار هذا الإهمال تراجعاً في الوعي والتعليم والقدرة على مواكبة العصر، في الوقت الذي تتنعم فيه أجيال الدول الأخرى وتتسابق في ميادين التطور التكنولوجي، والنمو الاقتصادي، والنهضة التقنية الهائلة التي تشهدها بلدانهم، بينما أبناؤنا في القادم من الأيام سيجدون أنفسهم في عزلة عن ركب هذا التقدم والتطور إن استمر هذا الخذلان.
لذا، فقد حان الوقت لقرع ناقوس الخطر وبأعلى صوت؛ إذ لم يعد مقبولاً الرضوخ لهذا الواقع المرير أو الصمت عنه. إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب من كل مواطن غيور أن يشمّر عن ساعديه، وأن يصدع بكلمة الحق في هذا الوقت الحرج والفاصل، ليكون الوعي المجتمعي والمسؤولية التضامنية هما السد المنيع الذي ينقذ مستقبل أطفالنا ويعيد لعدن كرامتها وحقها في الحياة والعيش الكريم.
عدن التي علّمت الجزيرة العربية بأسرها النظام والمدنية والتعليم، لا تستحق أن تُترك لمصيرها تحت وطأة الإهمال والتقاعس. إن إنقاذ عدن اليوم ليس منّة من أحد، بل هو واجب أخلاقي، وإداري، وإنساني، سنُسأل عنه جميعاً أمام الله والتاريخ.

مقالات الكاتب