الذكاء الاصطناعي وبندقية "الكلاشنكوف" الرقمية: عندما يستوي الغث والسمين!
احمد علي البيتي
يأخذنا العصر الرقمي المتسارع اليوم إلى منعطف فكري وأخلاقي لم نعهد له مثيلاً من قبل؛ منعطف تلاشت فيه...
يأخذنا العصر الرقمي المتسارع اليوم إلى منعطف فكري وأخلاقي لم نعهد له مثيلاً من قبل؛ منعطف تلاشت فيه معايير الجدارة الشاقة، وذابت فيه الفوارق بين من أمضى عمره بين بطون الكتب وميادين البحث والتربية، وبين من وجد نفسه فجأة فوق منصات التوجيه والخطابة بضغطة زر واحدة. إنه عصر "الذكاء الاصطناعي" الذي بات يمثل في جوهره المعاصر "أداة مساواة قسرية" تشبه إلى حد التطابق ذلك التحول التاريخي الذي أحدثته بندقية "الكلاشنكوف".
حين اخترع ميخائيل كلاشنكوف بندقيته الشهيرة، لم يكن يعلم أنه لم يبتكر مجرد سلاح ناري، بل صاغ معادلة اجتماعية جديدة ألغت هيبة "الفارس الهمام". ذلك الفارس الذي قضى سنوات عمره يتلقى فنون القتال، ويتحمل مشاق السير مئات الأميال، ويصبر على الجوع والعطش والجلد ليحمل السيف والرمح بشرف واستحقاق؛ أصبح بإمكان طفل مراهق، أو عاجز لا يقوى على المواجهة، أن يبطش به ويهزمه من أول طلقة باستخدام بندقية الكلاشنكوف. لقد جعلت تلك البندقية الضعيف قادراً على قهر القوي دون جهد أو جدارة ذاتية.
واليوم، يعيد التاريخ نفسه برداء رقمي منمق. إن الذكاء الاصطناعي في جيله الحالي يمثل "كلاشنكوف الفكر واللغة". لقد مكنت هذه الآلة الصامتة، التي لا تملك وعياً ولا عاطفة، أفراداً يفتقرون للعمق المعرفي والخبرة الميدانية الحقيقية، من الاختباء خلف الشاشات وصياغة أعتى الخطابات والرسائل والدراسات التي تبرزهم أمام المجتمعات والمنظمات الدولية والمؤسسات الأكاديمية كعلماء وباحثين ومصلحين فحول، وهم في حقيقتهم عاجزون عن بناء فكرة ذاتية واحدة.
إن الخطر الحقيقي والمأزق الأخلاقي الذي نواجهه اليوم هو "استواء الغث بالسمين". فالمؤسسات والمنظمات، وفي ظل التدفق الهائل للنصوص المثالية والمنمقة برمجياً، بدأت تصاب بحالة من "الملل الرقمي"، وأصبح بريق النص المصنوع يحجب رؤية الفارس الحقيقي في الميدان. لقد تراجع تقدير "جهد الباحث وعرق العالم" لصالح بلاغة الآلة المزيفة، مما يهدد بإحباط أصحاب الكفاءات الحقيقية الذين قضوا العقود في غمار العمل الأكاديمي والتربوي والمجتمعي.
لكن، ومثلما كان الكلاشنكوف سلاحاً بيد العاجز للبطش، فقد كان أيضاً سلاحاً بيد الجيوش النظامية والمدافعين عن الحق لحماية الأوطان؛ فإن الذكاء الاصطناعي يجب أن يُوضع في نصابه الصحيح. الفارق الجوهري هنا يكمن في "شرعية المعركة وأصالة المحتوى". فبينما يستخدمه المدّعون "كقناع" يخفي عجزهم ويسرقون به مكانة غيرهم، يجب على العلماء والباحثين الحقيقيين استخدامه "كأداة إنقاذ وسرعة" لترتيب وتنظيم عطائهم وحقوقهم القائمة بالفعل على الأرض، وتقديمها للعالم بلغة يفهمها العصر المعقد.
إن على المؤسسات الدولية، والمنظمات الحقوقية، والدوائر الأكاديمية أن تعي هذا التحدي الكبير. فالنصوص خلف الشاشات أصبحت كلها متشابهة ومصنوعة، ولم يعد جديراً بنا أن نقيم الإنسان بجميل صياغته الآلية، بل بـ "صلابة دليله, وأثره الميداني الحقيقي، وتاريخه المعمد بالعطاء". وحده الأثر الذي تتركه الأقدام في الميدان هو ما يعجز الذكاء الاصطناعي عن تزويره، وهناك فقط.. يسقط الغث المزيف، ويبقى الفارس الحقيقي ثابتاً في موقعه.
الكاتب: أحمد علي عبد الله البيتي.
الصفة: مدير عام معهد تدريب وتأهيل المعلمين - مرشح لدرجة الدكتوراه بجامعة عدن.