السادس من أبريل… أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم أن اليمن الديمقراطية الأولى عربياً في محو الأمية

صادف يوم أمس، السادس من أبريل، الذكرى التي أعلنت فيها منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم أن اليمن الديمقراطية الأولى عربياً في محو الأمية، وبهذه المناسبة تستحضر الذاكرة تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، تلك التجربة التي ارتبطت بمشروع وطني نهضوي وُلد من رحم الكفاح والتضحيات.

فبعد أكثر من ١٢٩ عاماً من الاحتلال البريطاني، الذي قيّد التعليم وحصره في نطاق ضيق داخل مدينة عدن وبعض المدن، بزغ فجر الاستقلال في 30 نوفمبر 1967، حاملاً معه إدراكاً عميقاً بأن بناء الإنسان هو حجر الزاوية لأي مشروع وطني حقيقي، إذ لم يتجاوز عدد الخريجين في عدن وعموم الجنوب ستين خريجاً حينها، والذين ساهموا في بناء الدولة الفتية.

وانطلاقاً من ذلك، أُعطي التعليم أولوية قصوى في سياسات الدولة، فتم تسخير الإمكانيات المحلية، والاستفادة من الدعم الدولي، لتشييد بنية تعليمية حديثة.
وعلى هذا الأساس، انتشرت المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية والمعاهد في المدن والأرياف، وأُوفدت أعداد كبيرة من الطلاب إلى البلدان العربية والاشتراكية وغيرها، وتُوّج هذا المسار بافتتاح جامعة عدن في ١٠ سبتمبر 1975، كمنارة علمية جسّدت طموح الدولة في بناء مجتمع المعرفة، وتم فتح كليات تابعة لها في جميع المحافظات على طريق افتتاح جامعات لكل محافظة لاحقاً.

وفي موازاة ذلك، لم تغفل الدولة عن معركة محو الأمية بين الكبار في المدن والأرياف والبدو الرحل، إدراكاً منها أن التنمية لا يمكن أن تكون مجتزأة.

وبناءً عليه، تم إنشاء جهاز خاص بمحو الأمية وتعليم الكبار بموجب القرار رقم (30) لعام 1970، قبل أن تتحول القضية إلى أولوية وطنية كبرى بصدور القانون رقم (32) لعام 1973، الذي أطلق حملة شاملة لمحو الأمية على نطاق وطني واسع.

وفي هذا الإطار، مثّلت تلك الحملة نموذجاً متقدماً في التخطيط والتنفيذ، حيث جرى حشد الموارد البشرية والمالية، وتوفير بيئة مشجعة على التعلم، بما في ذلك إنشاء مراكز لمحو الأمية ومدارس للبدو الرحل، في خطوة عكست وعياً عميقاً بخصوصية المجتمع واحتياجاته.

وتتويجاً لهذه الجهود، أُطلقت الحملة الشاملة لمحو الأمية (1984–1985)، التي جرى الإعداد لها مبكراً، أُعلن حينها عن تحقيق نتائج نوعية، في حملة وطنية واسعة شارك فيها المتطوعون من المعلمين والموظفين والطلاب، وتزامنت مع المناسبات الوطنية لتعزيز التعبئة المجتمعية.

وقد شهدت هذه المرحلة حضور المدير العام لليونسكو، أحمد مختار أمبو، في فعالية التدشين بمدينة شبام التاريخية بوادي حضرموت، في دلالة على الاهتمام الدولي بهذه التجربة.
وفي ضوء هذه النتائج، أُعلنت اليونسكو أن اليمن الديمقراطية تُعد الأولى عربياً في خفض نسبة الأمية إلى نحو 2.5%، وهو إعلان لم يكن مجرد رقم، بل شهادة دولية على نجاح مشروع وطني جعل من التعليم أداة للتحرر والتقدم.

ومن هذا المنطلق، فإن استعادة هذه التجربة اليوم لا تأتي من باب التفاخر أو استدعاء الماضي بوصفه زمناً مثالياً، بل من باب المسؤولية الوطنية في قراءة الدروس.

فما تحقق آنذاك لم يكن صدفة، بل نتيجة إرادة سياسية واضحة، ورؤية استراتيجية وضعت الإنسان في صدارة الأولويات.

وعليه، لقد كان التعليم في تلك المرحلة مشروع دولة بكل ما تعنيه الكلمة، لا ملفاً هامشياً يُدار بردود الأفعال، ولم تكن معركة محو الأمية مجرد حملة موسمية، بل التزاماً وطنياً شاملاً شاركت فيه مؤسسات الدولة والمجتمع على حد سواء.

واليوم، في ظل ما يعيشه شعبنا من تحديات قاسية، من حرب أرهقت الإنسان، إلى أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة وانعدام أبسط الخدمات من كهرباء وماء وغيرها من الخدمات، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً لاستلهام تلك التجربة، لا لاستنساخها حرفياً، بل لاستعادة روحها: روح الإيمان بأن التعليم هو الطريق الأقصر نحو التنمية والاستثمار، بل هو أساس أي نهضة لأي شعب.

وفي الختام، يحزننا ما يجري اليوم من اتساع رقعة الأمية، حتى في أوساط الشباب، في ظل واقع يدفع فيه بعض المعلمين والطلاب إلى ترك مقاعد الدراسة والالتحاق بمعسكرات القتال، بحثاً عن مصدر دخل يفوق ما يوفره سلك التعليم. بل إن البعض يدفع حياته ثمناً لذلك، في سبيل إعالة أسرته، في ظل إهمال الدولة للمعلم والتعليم.

مقالات الكاتب

عيد الأم .... مارس / ٢٠٢٦

يحل عيد الأم في الحادي والعشرين من مارس، متزامنًا مع ميلاد الربيع، في دلالة رمزية عميقة تربط بين خصو...