مرة اخرى :عدن لا تحتاج وصيا… بل قانونا يحميها
عارف ناجي
ليست أزمة عدن اليوم أزمة أشخاص أو مجالس أو مكوّنات ولا سباقًا للبحث عن كبيرٍ للقوم، ولا صراع مناصب أ...
تقول ابنة الصديق أبو بكر رضي الله عنه أم المؤمنين السيدة عائشة ــ رضي الله عنهما وأرضاهما : مر علينا عام الرمادة في عهد الخليفة الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه جاع فيه الناس وفي بيتي تميرات قليلة ، فركنت إلى قيلولة وقت الهجير ، وبينما أنا نائمة استفقت على صوت جلبة عظيمة تعالت فيها أصوات الناس ونظرت إلى السماء فلمحتها حمراء وقد زاد الهرج والمرج ، فقلت لجويرية عندي اذهبي وانظري لي ما يجري واستعجليني الخبر .
وبعد برهة عادت الجارية تخبرني بأن قافلة لعبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ وقوامها سبعمائة بعير عادت من الشام محملة بالسمن والبر والزيت والزبيب والخل والكساء وبضائع أخرى كثيرة .
فقلت : ولم هذه الجلبة ؟
قالت : يتفاوض التجار على شرائها فيدفعون في البضاعة الضعفين والثلاثة وعبد الرحمن بن عوف لا يبيع .
فقلت : والله لئن صدفته لأقرِّعَنَّـه على فعلته ، لقد فسد أصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد محمد .
وبعد ساعة زمانية طُرِق بابي ، فقالت الجارية بأن عبد الرحمن بن عوف بالباب ويريدك .
فقلت لقد ساقه الله إليَّ وجاءني برجليه فوالله لأقرِّعَنَّه
فتحاملت على نفسي وقرِبت الباب وعليه حجاب .
وقلت نعم يابن عوف ؟
فقال : أتذكرين يابنة الصديق حديث رسول الله عني حين قال : ندخل الجنة ويتخلف عنا عبد الرحمن بن عوف - يُحاسَبُ على ماله - ثم يدخلها حبواً ، عسى الله أن يطلق ساقيه ؟
قلت : نعم أذكره ، قال إن هؤلاء القوم يدفعون لي في البضعة خمسة أضعاف وأنا لا أبيع ، فهممت أن أقاطعه لأعاتبه وأدعوه إلى الشفقة واللين بحال المسلمين لكنه استرسل قائلا :
أتسمعينني ؟
قلت : نعم أسمعك .
قال : فقلت لهم هناك من يدفع لي أكثر لعلمي بأن الحسنة بعشرة أمثالها فأخبرت أبا حفص عمر ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ أن يوزعها على أهل المدينة ومن حضر في سبيل الله ـ وإني أشهدت الله وأشهدت عمر وأشهدت ابن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ وأشهدك على ذلك ، فعسى أن يطلق الله ساقي ، ومضى .
فرجعت أجرجر أذيالي وأنا أتمتم :
أبأصحاب رسول الله تظنين الظنون ؟
فليتكِ ما كنتِ ولا كنتِ ، إنه أحد العشرة الرائحين إلى الجنة .
قالت : فلبستُ وخرجتُ لأشهد الحدث فوجدت علياً يصف الإبل ومعه رهط من الصحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ وقد أفرغوها من أحمالها ووزعوها على أهل المدينة وبقيت الإبل تَصفُرُ في الهواء وعبد الرحمن يقول لعمر مالي وهذه الإبل ؟
اجعلها في إبل الصدقة .
تقول السيدة عائشة :
فوالله ما بات ليلتها في المدينة جوعان .
عيون الأخبار - لابن قتيبة الدينوري
فأين نحن من عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه قدم ما لم يقدمه أحد إلا ما ندر من العطاء والبذل في سبيل الله صدقة صالحة ، وعمل بر ، وخير نافعا للإسلام والمسلمين ، مد يده بالخير لأهل الحاجة ، قابل العوز والضائقة بالمسلمين بالصدقة والانفاق .
عبدالرحمن بن عوف رضي الله لو كان في زماننا ورأى اليمن وأهله وما آلات إليه الأوضاع لقام في تجار المسلمين وأغنيائهم خطيبا وموعظا لهم بأن يمدو يد العون والمساعدة لهم ، ولكن آه على عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه ، وآه على اليمن وأهله ، معاناتهم قائمة ليلا ونهارا في استمرار دائم ، فمن إبادة جماعية ، وإنتهاكات جسدية ، وحصارا ظالم وغاشم من على أرضه وفوق تربته ، وابل الموت يمطر من السماء ، ونيران العذاب تشتعل من الأرض ، هكذا حال اليمن وحال أهله ، أعداء تكالبت قواهم وطغيانهم عليه من بني جلدته ومن اخوته في الدين والعرق والنسب ، ليقضوا عليه ومن عليه ، فإذا بالجوع والمجاعة قد حلت ونزلت وعمت في ربوعه ، فلا مدنه عنه سلمت ، ولا قراه عنه نجت ، الكل تعرض قليلا كانت حوائجه او كثيرة طلباته للدمار والشتات والموت المحقق ، فالديار من أهلها خلت ، والقرى من أهلها رحلت ، والمدن من نازيحيها ضجت وملأت ، الكل فيها يجاهد جاهد العوز ليعيش بكرامة بعد أن ضاعت كرامة ومكانة المسلمين .
لله در الصحابة الكرام رضي الله عنهم كم من الخير رزقوا وكم من العطاء بذلوا وتصدقوا ، فأين صحابة اليوم من صحابة الأمس من أهل الخير .
مات الضمير العربي يوم أن ماتت القلوب ، وانتهت النخوة يوم ان انتهت الرجال .
قلم : انور ثابت بن عبدان .