كيف أهدر الانتقالي الأصـوات النبيلة.. امنية بدر الدين نموذجاً..!
محمد حيدر
قبل أن يظهر ما يُسمّى بالانتقالي، وقبل أن يعرف الناس القيادات الكرتونية، ومناضلي الصرفة الذين طَفَوا...
لماذا الأشعث الأغبر أكثر شعبية من المثقف في وسائل التواصل الإجتماعي في بلادنا؟
أحد الناشطين على اليوتيوب( يوتيوبر)، اشتهر، بحماسه وشدة تفاعله مع بعض القضايا العامة، التي يطعمها ببعض عباراته النابية أثناء حديثه، مما تسبب في إنتقاد الكثيرين. فقد تفاجأ في حفل زفافه حضور الآلاف من متابعيه في اليوتيوب، فلم تستطع صالك العرس إستيعاب الكم المهول من الحضور فأضطر إلى نقل حفل زفافة إلى ساحة السبعين، عدد الحضور الكبير أدهش الكثيرين ولا سيما المثقفين، وكان العريس ذاته من أشد المندهشين، وتسبب في إمتعاض كثيرين وغضب آخرين. كيف يكون لهذا الأشعث الأغبر هذا الكم من المتابعين ومن المؤيدين، على الرغم من بذائة لسانه؟
كتب عن ذلك الكثير من المحللين، والصحفيين والمثقفين، وحاول كل طرف تفسير الظاهرة، وفي خلاصة الأمر، يمكن إجمال ما حصروه ، أن السبب في ذلك هو تدهور المستوى الثقافي والتعليمي والإقتصادي، والحروب، التي أدت بدورها إلى تدني المستوى الأخلاقي، لا شك أن هذه أسباب موضوعية قد يكون لها أثرها السلبي على الوازع الديني والأخلاقي، ولكن ثمة سبب مهم وراء تفشي ظاهرة طغيان شعبية "الغبر" على شعبية المثقفين والعلماء لي بلدنا. من الأسباب الهامة وراء ذلك، هو إحجام المثقفين عن ملامسة هموم العوام من حيث اللغة والطريقة، فقد أختار المثقفون في اليمن الطريقة الكلاسيكية التي لم تعد مجدية بالقدر الكافي في هذا الزمان، اختاروا طريقة الكتابة. وتركوا التأثير الأهم الصورة والفيديو للغبر، معتبرين ذلك غير لائقاً بهم، وتقوقعوا في بيوت عاجية، ويتحدثون من منابر مرتفعة بعيداً عن الجماهير، وبلغة منمقة لا تفهمها الجماهير العريضة، التي تشكل أغلبية السكان، فأصبحت كل تلك الأمور عوائق وحواجز حقيقية بين المثقف والوسطي الثقافة وما دونهم. وتركوا الساحة مفتوحة للغبر الذين يتحدثون بلغة تلك الجماهير الواسعة، فليس الهدف الكلمات المنمقة في حد ذاتها بوازع إستعراض العضلات الثقافية، وإنما الهدف هو المتلقي، بحيث يحصل على جرعة دوائية روحية وثقافية تمكنه من الأرتقاء والإرتفاع درجة أو درجات عما هو فيه. وبلغة تحمل كلمات تحترم اللغة العربية واصول اللياقة الأخلاقية، وفي نفس الوقت تأخذ بعين الإعتبار أن المجتمع شرائح ثقافية مختلفة، أوسعها المهمشة ثقافياً، وبالتالي لابد أن تكون تلك اللغة سلسة ولقمة سائغة للجميع. ولأن الشريحة الواسعة هي المهمشة ثقافياً، نجد أن اليوتيوبر الذي يلامس همومهم بلغة مبتذلة وأساليب مبتذلة يمثل، لغتهم واساليبهم، لذا يكون هو الأوفر حضاً جماهيرياً من ذلك المثقف الذي يتحدث من منبر عالي وبلغة منمقة ليست لغتهم. فالناشطون على اليوتيوب ( يوتيوبر)المبتذلون في الفاضهم ولغتهم يجعلونهم يشعرون أنهم منهم، فيصنعون فيهم الشعور بالتجانس والهوية المشتركة معهم. وهذا يفسر سر شعبية اليوتيوبر الوضيع في عين المثقف. السؤال الملح، هو، هل اليمن وحيدة في تسيد الساحة اولئك الذين ثقافتهم ما دون الوسط؟
الجواب، لا، بل تجد أن شريحة الغبر في كل البلدان حتى تلك المتقدمة، يشكلون الأغلبية. هذه الحقيقة عرفتها الدول الديمقراطية قبلنا، فالمرشحون أيام الإنتخابات يخلعون أربطة العنق، ويلبسون قمصان مجردة ويتنقلون أحياناً بالمواصلات العامة أثناء الحملة الإنتخابية، كي يشعرون الناخب من الغبر أنهم من شريحته بغية دغدغة مشاعره عله يكرمهم بصوته، وغالباً ما يخدرون هذه الشريحة بالوعود الإنتخابية، التي لا يوفون بها في الغالب بعد الفوز. السؤال الآن هو هل شريحة الغبر في اليمن أوسع من نظيرتها في دول أخرى؟ قد نجزم بنعم، والأسباب متعدده، ومن أهمها تردي مستوى التعليم، وتردي جودته، إضافة إلى العوامل الإقتصادية والحروب ومآسيها. في كل الأحوال، ما حدث في السبعين، يدعو المثقف اليمني للإستعانة بالوسائل الأخرى كالفيديو، لإيصال رسالته إلى مختلف شرائح المجتمع، ولاسيما الشريحة الأوسع" شريحة الغبر: أي ما دون متوسطي الثقافة"