العميد البطاني الذي شيّد صرح "جوازات عدن" من الركام، وأداره بِـنُبل الوفاء والترفع عن المناطقية.

​لا يُقاس نجاح القادة بالمناصب التي اعتلوها، بل بحجم التحديات التي واجهوها والآثار التي تركوها خلفهم. وفي تاريخ المؤسسات الخدمية بالعاصمة عدن، يبرز اسم العميد الدكتور/ محمد عباد البطاني - مدير عام جوازات عدن السابق، كقائد استثنائي، لم يتسلم مصلحة الهجرة والجوازات وهي في قمة عطائها، بل تسلمها وهي "أطلال" ودمار خلفته المليشيات الحوثية الإرهابية بعد اجتياحها للمدينة.


*​التأسيس من تحت الأنقاض وفريق العمل المخلص*
​عقب تحرير عدن، برزت شجاعة العميد البطاني في إعادة بناء هذا المرفق السيادي من الصفر، محولاً إياه إلى خلية نحل تعمل بنظام الفترتين لاستيعاب الضغط الهائل، حيث وصلت القدرة الإنتاجية في عهده إلى إصدار آلاف الجوازات يومياً.

لم يكن وحيداً في هذه المعركة الإدارية، بل كان بجانبه نائبه الوفي العميد صالح عاطف الرجل العملي النشيط الذي عُرف بتواجده في مقر العمل مع شروق الشمس مباشرة، وإلى جانبهما العقيد أديب زين، وغيرهم من الضباط والجنود المخلصين الأوفياء.

لقد شكلوا نموذجاً في الانضباط، حيث تولى العميد صالح عاطف بجهود مشكورة الإشراف المباشر على قسم الجرحى والمرضى، مكرساً وقته لتذليل الصعاب أمام الحالات الإنسانية بلمسة وفاء لا تخفى على الجميع.


*​مهنية عابرة للمناطقية ونبذ العنصرية*

حافظ البطاني ونائبه على بوصلتهما الوطنية؛ فكان فرع عدن ملاذاً آمناً لكل يمني، حيث تعامل مع القادمين من المحافظات الشمالية بروح القانون والأخلاق، بعيداً عن أي نزعات عنصرية أو لمز، مما عزز ثقة المنظمات الدولية في "جوازات عدن" كمؤسسة مهنية نأت بنفسها عن التجاذبات السياسية، مؤكدين أن الجواز حق سيادي مكفول للجميع دون تمييز.


*إصلاحات المنظومة وتجاوز المستحيل (بالأرقام)*

​بفكر إداري ثاقب، أحدث البطاني ثورة حقيقية لتخفيف معاناة المواطنين من خلال عدد من الإجراءات، من بينها:

-​نظام الفترتين: استحدث العمل المسائي، مما رفع الطاقة الاستيعابية لتصل إلى إنجاز 2000 إلى 3000 جواز يومياً.

-​تجاوز الأزمات: قاد جهود استئناف العمل بعد توقفات جائحة كورونا والأحداث السياسية، حيث حققت المصلحة في عهده رقماً قياسياً بإصدار أكثر من 433 ألف جواز سفر خلال عام واحد فقط (2019).

-​الحجز الآلي والسرعة: أدخل نظام التسجيل الأولي الذي يمنح المواطن موعداً خلال دقائق، مما قلص فترة تسليم الجواز إلى أقل من 15 يوماً في الظروف المستقرة.


*التطوير التقني وحرب "السمسرة"*

​لم يكتفِ البطاني بالترميم، بل سعى للتحديث عبر تزويد المصلحة بأجهزة كمبيوتر وتقنيات تصوير حديثة تواكب الضغط الهائل، وبذل جهوداً مضنية في متابعة الحكومة لتوفير مبنى جديد أوسع، ومولدات كهربائية حديثة، كون المبنى القديم لم يعد يستوعب آلاف الزوار، وكان يُعرف عنه تخصيص وقت لاستماع شكاوى المواطنين مباشرة، وحل إشكالات الأخطاء أو التأخير فوراً. كما حرص على توفير وسائل الراحة من مظلات وكراسي انتظار، وبالتوازي مع ذلك، شن حملات أمنية لملاحقة السماسرة، ووجه بتعليق لوحات إعلانية بالرسوم القانونية لقطع الطريق على أي تلاعب مالي، مؤكداً بشفافية مطلقة أن الخدمة حق للمواطن وليست مِنة من أحد.


*​الوجه الإنساني.. وفاءٌ للموظف والشهيد*

​تجلّى نُبل العميد البطاني في مواقف إنسانية فارِقة مع كادر المصلحة في أمور كثيرة، ومنها:

-​الوفاء للراحلين: وجه بصرف الإكرامية الرمضانية لشهداء ومتوفيي كوادر الفرع، وهي اللفتة النبيلة التي انقطعت في العهد الحالي لأسباب مجهولة رغم تساؤلاتنا التي لم يتم الرد عليها من قبل المدير الحالي!

-​تمكين أبناء الكوادر: حرص على استيعاب عدد من أبناء الموظفين المخلصين تقديراً لآبائهم، لكننا اليوم نرى بمرارة كيف تم الاستغناء عنهم في عهد المدير الحالي، ضاربين بعرض الحائط قيم الوفاء التي أسسها البطاني.

-​سندٌ للشباب والمرضى: ساهم في تكاليف زواج بعض الموظفين، ومساعدة المرضى منهم، وتقديم الدعم المباشر لأسر المتوفين من كوادر الفرع.


*​رسالة إلى من يهمه الأمر*
​وختاماً، "رسالة إلى كل من اعتلى كرسياً فظن أنه مُخَلَّد، وإلى كل مسؤول توهَّم أن تجاهل مطالب الناس رفعة.. تذكَّر جيداً: لو دامت لغيرك ما وصلت إليك. إن المناصب عارية مُستَرَدَّة، والكراسي زائلة، والأيام دُوَل يداولها الله بين خلقه؛ فيوماً ما سنكون في أماكنكم، وحينها ستتبدل الأدوار وتجدون أنفسكم تطلبون العون والشفاعة ممن استكبرتم عليهم اليوم. اعلموا أن الجزاء من جنس العمل، وأن كل قرار أو تجاهل هو سطر في تاريخكم الذي تكتبونه بأيديكم، والتاريخ ذاكرة لا تخون ولا ترحم.

مقالات الكاتب