الحسن طاهر.. رجل التوازنات الصعبة في الساحل التهامي

كريتر سكاي/خاص:

​محافظ الحديدة الحسن طاهر: فن السير على حافة الهاوية وإدارة "دولة المنفى" في الخوخة.

​في خضم المشهد المعقد الذي يعيشه الساحل التهامي لليمن حيث تتداخل البنادق مع السياسة وتتصارع الأجندات المحلية والإقليمية، يبرز اسم الدكتور الحسن علي طاهر، محافظ محافظة الحديدة، كشخصية أثارت الكثير من الجدل، لكنها في الوقت ذاته نجحت في البقاء يوصف طاهر بأنه "رجل التوازنات"، حيث يدير سلطة محلية بلا مقر دائم في العاصمة (المدينة)، ويحكم في ظل هيمنة عسكرية لقوى متعددة، أبرزها قوات "المقاومة الوطنية" بقيادة العميد طارق صالح

​يناقش هذا التقرير استراتيجية الحسن طاهر في إدارة السلطة المحلية، وكيفية تعايشه مع القوى الفاعلة، وسر بقائه في منصبه رغم العواصف

​إدارة السلطة المحلية.. حكومة "الخوخة" المؤقتة


​منذ تعيينه، وجد الحسن طاهر نفسه أمام تحدٍ غير مسبوق: إدارة محافظة يقع مركزها تحت سيطرة الحوثيين، بينما تقع مناطق نفوذه الإداري في المديريات المحررة (الخوخة، حيس، ومناطق أخرى)

●النهج الإداري: اعتمد طاهر على تفعيل المكاتب التنفيذية من مديرية "الخوخة" التي اتخذها عاصمة مؤقتة. ركزت إدارته على تطبيع الحياة المدنية في مناطق تماس عسكري، محاولاً الفصل بين "المعركة" و"الخدمات"

● ​التمويل: في ظل شح الموازنة الحكومية، اعتمد المحافظ بشكل كبير على المنظمات الدولية وذراع العمل الإنساني للتحالف (الهلال الأحمر الإماراتي ومركز الملك سلمان) لتمويل المشاريع، محولاً دوره من "إداري" بحت إلى "منسق إغاثي وتنموي" لضمان استمرار الخدمات.

​■العلاقة مع طارق صالح.. التوافق والواقعية السياسية
​لعل الملف الأكثر تعقيداً في مسيرة المحافظ هو علاقته بالعميد طارق صالح (طارق عفاش)، قائد المقاومة الوطنية ورئيس مكتبها السياسي

● ​الاعتراف بالأمر الواقع: أدرك الحسن طاهر مبكراً أن السلطة العسكرية والأمنية الفعلية على الأرض هي بيد "القوات المشتركة" التي يقودها طارق صالح. بدلاً من التصادم (كما فعل محافظون في محافظات أخرى)، اختار طاهر نهج "التكامل"

● ​تبادل المصالح: وفر طاهر "الغطاء الشرعي" والمدني لتحركات المكتب السياسي للمقاومة الوطنية، وفي المقابل، حصل على دعم أمني ولوجستي لفرض سلطته الإدارية. يظهر الاثنان جنباً إلى جنب في معظم الافتتاحيات والمناسبات، مما يعكس رسالة مفادها أن "الشرعية" و"القوة العسكرية" في خندق واحد.

احتواء الحساسيات: رغم الانتقادات، استطاع طاهر تذليل العقبات أمام طارق صالح لترسيخ نفوذه في تهامة، مبرراً ذلك بضرورة توحيد الصف لمواجهة الحوثي، وهو ما اعتبره البعض "ذكاءً سياسياً" واعتبره آخرون "تسليماً للسلطة".

 

​العلاقات مع الأطراف التهامية (الحراك والمقاومة التهامية)
​يقف المحافظ في منطقة وسطى بين القوى القادمة من خارج المحافظة، وبين أبناء جلدته من التهاميين

• ​امتصاص الغضب: يواجه طاهر ضغوطاً من الحراك التهامي وبعض قادة المقاومة التهامية الذين يشعرون بالتهميش لصالح قوات طارق صالح. سياستُه هنا تعتمد على "الاحتواء الناعم"؛ فهو لا يتبنى خطاباً مناطقياً حاداً، ولا يتخلي عن هويته التهامية، بل يحاول تقديم نفسه كجسر للتواصل

• ​توزيع الأدوار: يحاول المحافظ ترضية القيادات التهامية عبر تعيينات في السلطة المحلية أو دعم مشاريع في مناطقهم، لضمان عدم انفجار الوضع داخلياً.

​سر البقاء رغم الانتقادات
​تعرض الحسن طاهر لحملات انتقاد واسعة تتهمه بـ "الضعف" أو "الارتهان"، لكنه حافظ على منصبه لعدة أسباب:

القبول لدى التحالف: يعتبر شخصية غير صدامية ومريحة للتعامل بالنسبة للسعودية والإمارات، حيث ينفذ الأجندات المطلوبة دون إثارة قلاقل سياسية


 ​المرونة (الزئبقية): قدرته على عدم معاداة أي طرف بشكل كامل؛ فهو يمثل الشرعية، وينسق مع الانتقالي (في بعض الملفات)، ويتحالف مع طارق صالح، ويحتفظ بعلاقات قبلية في تهامة

غياب البديل المتوافق عليه: في ظل الانقسامات، من الصعب إيجاد شخصية أخرى تحظى بموافقة الشرعية وطارق صالح والقبائل التهامية في آن واحد.


​ أهم الإنجازات (في ظل الممكن)
​رغم الانتقادات، يُحسب للرجل نقاط مضيئة في ظروف الحرب

●البنية التحتية: إعادة تأهيل وتشغيل المرافق الحيوية في المديريات المحررة (مشروع مياه الخوخة، المدارس، المراكز الصحية) التي كانت مدمرة

​أعاد تفعيل القضاء بالمديريات المحررة

 افتتح مصلحة الجوازات والهجرة والأحوال المدنية بالرغم من قلة الإمكانيات وهذا ساعد من تخفيف المعاناة على ابناء تهامة

 ​الاستقرار النسبي: مقارنة بمناطق محررة أخرى تشهد اغتيالات وفوضى، حافظت المناطق الخاضعة لإدارته (بالتعاون مع الأمن) على استقرار أمني نسبي سمح بعودة بعض النازحين


​يمكن القول إن الحسن طاهر ليس "محافظاً" بالمعنى التقليدي المستقر، بل هو "مدير أزمات". نجاحه لا يُقاس بحجم الصلاحيات السيادية التي يمارسها، بل بقدرته على الحفاظ على "شعرة معاوية" بين فرقاء السلاح في الساحل التهامي. لقد اختار أن ينحني للعواصف بدلاً من كسرها، مغلّباً منطق "التوافق مع طارق صالح" لضمان استمرار "الدولة" ولو بحدها الأدنى، وهو ما جعله رقماً صعب التجاوز في معادلة الساحل الحالية